الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
في بيت سبينوزا

← بواسطة azzaman

في بيت سبينوزا

عبد الحسين شعبان

 

خالجني شعورٌ غريبٌ وأنا ألج باب منزل سبينوزا في لاهاي (هولندا). حينها صاحبني صمتٌ غريبٌ وأنا أتجوَّل فيه مع دهشةٍ مصحوبةٍ بالذهول، فقد شعرت أنني في حضرة التاريخ وأَتَنَقَّلُ بين حقول الفلسفة، وإذا التاريخ أب العلوم، فالفلسفة هي أم العلوم، كما يُقَالُ، فما بالك حين يتعاشقان فيولدان «الأخلاق» وهو عنوان أشهر كتب سبينوزا.

المكان يبدو على تواضعه فسيحاً وحديقته التي ينتصب فيها تمثاله أنيقة وجدرانه أوسع مما كان في خاطري. وحينما عرفت أن مهرجان ميزبوتاميا (بلاد الرافدين) الشعري الدولي أطلق دورته هذا العام «كلمات ضد الجدران» تَبَيَّنَتُ العلاقة بين الكلمة والحاجز. ففي هذا المكان وبين الجدران تتداخلُ أسئلة الفلسفة مع الحياة والتَّنَوُّعُ مع التعصب والتعددية مع الواحدية والتسامح مع الكراهية، حيث تصبح الجدران حواجزًا وسدودًا أمام البشر، بسبب اختلاف هويَّاتهم وألسنتهم ومذاهبهم وأجناسهم وألوانهم وأصولهم الاجتماعية، ولا شكٌّ أن البشر مختلفون، وإِنْ ينبغي مساواتهم في الكرامة الإنسانية.

 للأسف يتحوَّل الاختلاف في كثير من الأحيان إلى سلاح أو وسيلة إقصاء وتمييز وسجن بزعم الأفضليات وامتلاك الحقيقة. كل ذلك خطر ببالي وأنا أتخيل سبينوزا يُقَلِّبُ مخطوطاته ويراجع أفكاره ويدقق آراءه، فالكتابة عنده حوارٌ مع النفس ومع الآخر وهي تحررٌ من الأوهام واليقينيات المطلقة التي تقود إلى الانغلاق، فمن لا يراجع مقدماته يقع في فَخّ العقيدة الجامدة.  

صانع العدسات         

لعل إحدى المفاجآت التي اكتشفتها وأنا أزور منزل سبينوزا هي أنه كان صانع عدسات، يعمل على صقلها وهي مهنة حرفية برع فيها، وشاهدت الماكينات والأدوات التي كان يستخدمها، والتي وفرت له مصدراً للعيش، ومثلما كان يساعد الناس على البصر فإنه في الوقت نفسه كان على تماسٍ مع عالم الرؤية والضوء التي تنير البصيرة. لقد امتلك هذا المنزل المتواضع أفقاً شاسعاً واحتضن عقلاً لم يقبل التنازل عن استقلاله، وكان صاحبه يمتلك قدرة استثنائيةً على التفكير بمحاولاته الدؤوبة للتحرر من الخوف واستعادة القدرة على تقبل الآخر؛ فقد أدرك أن التعصب ينتج التَّطرُّف، وهذا الأخير يمكن أن يقود إلى العنف بأشكاله المختلفة، خصوصاً بعدم الاعتراف بالحق في الاختلاف.

محنة المفكر

لعل محنة سبينوزا لا تكمن في محنة الفرد وتحدِّي المجتمع الذي يعجز عن قبول الاختلاف، خصوصاً وأنه لم يكن مجرد فيلسوف اختلف مع بعض المعتقدات الدينية المتصارعة في عصره، بل كان صاحب مشروع فكري حاول فيه فهم العلاقة بين الإنسان والطبيعة والله، وبين الإيمان والعقل وبين السلطة والحقيقة. وقادته تلك المواقف إلى النبذ عام (1656)، بل والقطيعة مع الجماعة الدينية التي نشأ في كنفها.             إنها محنة المفكر في كل زمان، فهل عليه أن يكرر ما يقوله الآخرون ويستمد قناعاته من الخوف مقابل «القبول الاجتماعي».

  لقد رفض سبينوزا أن تكون العقيدة أداة لإلغاء العقل، فالاختلاف ليس تهمة أو جناية، والسؤال ليس خروجاً على الفكر السائد والجماعة المهيمنة، والنقد ليس طعناً في المقدسات، والبحث عن الحقيقة ليس تمرداً غير مشروع.

 لعل أهم درس كنتُ دائماً ما استذكره بخصوص سبينوزا هو استقلاليته ومراجعته لذاته والتحرر من أوهامه ومقاومته إغراء اليقين المطلق. وكانت نظرته إلى الحرية بوصفها مسألة فلسفية وأخلاقية وسياسة في آن واحد، هي شرط لأنسنة الإنسان باعتباره كائناً عاقلاً قادراً على الاختيار والمساءلة. ويبقى سؤال المثقف والسلطة يتجاوز ثقافة القرن السابع عشر، إنه سؤال راهني يمتد إلى واقعنا وخصوصاً في العالم العربي، فالمثقف ليس مالكاً حصرياً للحقيقة وإنما هو سَاعٍ إليها ويقترب منها بقدر ما يمتلك من معرفة ويبتعد عنها بقدر استسلامه للتعصب أو المصلحة الأنانية الضيقة أو الخوف. ولا يعتبر المثقف حقيقياً حين يبرر القمع الذي يصدر عن جماعته ويدينه حين يصدر عن خصومه، فالحقيقة لا ينبغي أن تكون تابعة للانتماء، مثلما لا يجوز للعدالة أن تكون تابعة للهويَّة، والحقوق تابعة لموقف صاحبها السياسي.

ورغم محنة سبينوزا فقد كان داعيةً للتسامح، وهذا الأخير لا يعني التخلي عن قناعته أو عدم التمييز بين الحق والباطل أو العدالة والظلم، وإنما يعني الاعتراف بحق الإنسان بالاختلاف وألا يتحوَّل هذا الأخير إلى وسيلة لسلب الحقوق، وهكذا يكون التسامح جزءًا من منظومة حقوق الإنسان التي تقوم على سيادة القانون والمساواة بين الناس وحماية التنوع.

ومن وحي أفكار سبينوزا استلهمتُ أسئلة مفادها:

كيف نبني دولة لا تخاف من مواطنيها؟

ونشيِّد مجتمعاً لا يخشى من الاختلاف؟

وثقافة لا تتعامل مع النقد بوصفه عداوة؟

تلك هي استعادة عربية لفلسفة سبينوزا وتجربته التاريخية ارتباطاً بأسئلة النهضة في الحرية والتنمية والعدالة. وحين غادرتُ بيت سبينوزا اعتملت في رأسي تلك الأسئلة وبتُ أكثر اقتناعاً بأن بعض المنازل تتحول إلى ذاكرة حَيَّةٌ وإنسانية، لا لأنها احتضنت شخصيات فَذَّةٌ، بل لأنها حفظت أثر الصراع بين دين العقل والإيمان الأعمى وبين الحرية والاستكانة وبين الإنسان وما يراد له أن يكون، ولعل قيمة الفلسفة الحقيقية تكمن في القدرة على طرح الأسئلة، فلا يصبح الفيلسوف حُرًّا إن لم يَتَحرَّر من الخوف الذي يسكنه ومن التعصب المستحكم، ومن التبعية التي تجعله يستعير عقل غيره.

 

 


مشاهدات 55
الكاتب عبد الحسين شعبان
أضيف 2026/10/20 - 3:37 PM
آخر تحديث 2026/10/21 - 2:45 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 248 الشهر 40072 الكلي 16625241
الوقت الآن
الأربعاء 2026/10/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير