الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تطوير ملف التنمية في العراق بين النص الدستوري والواقع التشريعي

← بواسطة azzaman

تطوير ملف التنمية في العراق بين النص الدستوري والواقع التشريعي

علي التميمي

 

لم يعد مفهوم التنمية في العراق ترفاً تخطيطياً أو شعاراً انتخابياً، بل أصبح التزاماً دستورياً وقانونياً تفرضه نصوص ملزمة، ويحاسب على تعطيله. فالدستور العراقي لسنة 2005 لم يترك التنمية للاجتهاد الحكومي، بل جعلها من واجبات الدولة.

*أولاً: الدستور هو منطلق التنمية*

أرسى الدستور ثلاث قواعد ذهبية للتنمية:

المادة 25 نصت على أن (تكفل الدولة إصلاح الاقتصاد العراقي وفق أسس اقتصادية حديثة وبما يضمن استثمار كامل لموارده). والمادة 26 ألزمت الدولة بتشجيع الاستثمار وتنويعه، بينما المادة 112 أكدت على التوزيع العادل للثروات مع إيلاء المناطق المحرومة والمتضررة حصة إضافية. هذه المواد ليست توصيات، بل هي قواعد دستورية آمرة تسمح بالطعن أمام المحكمة الاتحادية العليا في حال إهمال التنمية المتوازنة.

*ثانياً: المنظومة القانونية للتنمية معطلة جزئياً*

على الرغم من وضوح النص الدستوري، إلا أن المنظومة القانونية المنفذة له تعاني من التشتت. فهناك أكثر من قانون يحكم التنمية دون وجود مظلة موحدة:

1.  *قانون التخطيط رقم 70 لسنة 2018:* وهو القانون الأم الذي أوجب على كل وزارة ومحافظة إعداد خطة خمسية منسجمة مع خطة التنمية الوطنية التي تعدها وزارة التخطيط. لكن هذا القانون بقي حبراً على ورق في ظل عدم التزام العديد من المحافظات بتقديم خططها في مواعيدها.

2.  *قانون الاستثمار رقم 13 لسنة 2006 المعدل:* منح حوافز كبيرة للمستثمر، منها الإعفاء الضريبي والجمركي، لكنه لم ينجح في تحويل الاستثمار إلى رافعة حقيقية للتنمية بسبب البيروقراطية وتداخل الصلاحيات بين الهيئة الوطنية للاستثمار وهيئات المحافظات.

3.  *قانون المحافظات غير المنتظمة بإقليم رقم 21 لسنة 2008:* منح في المادة 44 منه صلاحيات واسعة للمحافظات في إعداد وتنفيذ خطط التنمية المحلية، لكن هذه الصلاحيات تصطدم بقانون الإدارة المالية الذي يبقي التمويل مركزياً بيد وزارة المالية.

4.  *قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص رقم 6 لسنة 2023:* وهو أحدث قانون تنموي، ويمثل نقلة نوعية، حيث يسمح للدولة بالدخول في شراكة طويلة الأمد مع القطاع الخاص لتنفيذ مشاريع البنى التحتية. وهذا القانون لو طبق بشكل صحيح سيحل أزمة تمويل التنمية.

*ثالثاً: كيف نطور ملف التنمية وفق القانون؟ - خارطة طريق*

إن تطوير ملف التنمية لا يحتاج إلى تشريعات جديدة بقدر ما يحتاج إلى تفعيل القائم منها وفق آلية قانونية منضبطة نقترحها في خمس خطوات:

*الخطوة الأولى: التقنين المحلي للتنمية:* يجب أن يتحول كل مقترح تنموي إلى قرار رسمي صادر عن مجلس المحافظة أو مجلس الوزراء، لأن الإنفاق بدون سند قانوني يعد مخالفة صريحة لقانون الإدارة المالية رقم 6 لسنة 2019 ويعرض المسؤول للمساءلة أمام ديوان الرقابة المالية.

*الخطوة الثانية: الربط الإلزامي بخطة التنمية الوطنية 2024-2028:* لا يمكن لأي مشروع أن يحصل على تمويل دولي من البنك الدولي أو الوكالة الأمريكية للتنمية ما لم يكن مرتبطاً بأحد محاور الخطة الأربعة: تنمية الإنسان، وتنويع الاقتصاد، والاستدامة البيئية، والحكم الرشيد.

*الخطوة الثالثة: تفعيل صندوق العراق للتنمية:* تم إنشاء هذا الصندوق عام 2023 كذراع استثماري للدولة، وهو يمثل المخرج القانوني لتمويل المشاريع الكبرى خارج قيود الموازنة السنوية، عبر استقطاب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية.

*الخطوة الرابعة: إلزامية الشفافية:* يجب أن يتضمن كل ملف تنموي فصلاً خاصاً بالرقابة والتقييم، يلزم الجهة المنفذة بتقديم تقارير دورية إلى هيئة النزاهة وديوان الرقابة، تطبيقاً لقانون النزاهة رقم 30 لسنة 2011.

*الخلاصة:* إن أزمة التنمية في العراق ليست أزمة نصوص، بل أزمة تطبيق. فالنص الدستوري موجود، والقوانين موجودة، لكن الإرادة الإدارية لتفعيلها غائبة. إن تطوير ملف التنمية وفق القانون يعني الانتقال من عقلية المشروع المؤقت إلى عقلية البرنامج المستدام المحمي بسند قانوني لا يمكن إلغاؤه بتغير الوزير أو المحافظ.

 

---


مشاهدات 43
الكاتب علي التميمي
أضيف 2026/10/20 - 1:07 PM
آخر تحديث 2026/10/21 - 2:45 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 248 الشهر 40072 الكلي 16625241
الوقت الآن
الأربعاء 2026/10/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير