العراق في ظل تقلّبات الطقس الدولي
كامل كريم الدليمي
يشهد العالم اليوم تقلبات سياسية وأمنية متسارعة، وتصعيداً إقليمياً ودولياً ينذر بتداعيات خطيرة قد تتجاوز حدود الدول المتصارعة، وربما تفتح الباب أمام حرب واسعة لا يمكن التكهن بمدياتها أو بنهاياتها. وفي خضم هذه العاصفة، يجد العراق نفسه في موقع جغرافي وسياسي يجعله أكثر عرضة لتداعيات الصراع، سواء أراد ذلك أم لم يرده.
العراق ليس جزيرة معزولة عن محيطها، ولا يستطيع أن يتجاهل ما يجري من حوله، لكنه في الوقت نفسه لا ينبغي أن يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات، أو نقطة عبور لضرب أي دولة، أو طرفاً في حرب لا تخدم مصالحه الوطنية.
وهنا تبرز مسؤولية الدولة، لا بوصفها رد فعل على الأحداث، وإنما باعتبارها صاحبة رؤية واستعداد مسبق. فحتى الآن، لا يبدو واضحاً للرأي العام ما هي الإجراءات والخطط التي أعدتها الحكومة للتعامل مع احتمالات التصعيد، وما الذي ستفعله الدولة إذا انزلقت المنطقة إلى مواجهة واسعة. وهل هناك خطة واضحة لحماية أمن العراق وشعبه واقتصاده ومؤسساته، ومنع البلاد من أن تصبح جزءاً من تداعيات صراع الآخرين؟
بيئة وطنية
إن العراق اليوم بحاجة، قبل أي شيء، إلى توفير بيئة وطنية ناضجة لتمنحنا فرصة اتخاذ القرار الوطني . فالمرحلة لا تحتمل تعدد المواقف ولا ازدواجية الرسائل، ولا تسمح بأن يكون قرار السلم والحرب خاضعاً لتوازنات خارجية أو لحسابات القوى والمحاور.
المصلحة العراقية العليا يجب أن تكون البوصلة الوحيدة. وهذا يتطلب موقفاً وطنياً جامعاً يؤكد أن العراق يريد علاقات متوازنة مع الجميع، ويحترم سيادة الدول، ويرفض استخدام أراضيه أو أجوائه أو مياهه منطلقاً لأي عمل عسكري ضد دولة أخرى، كما يرفض في المقابل أن يكون العراق ساحة للصراع أو ورقة في أيدي المتصارعين.وهذه المسؤولية تقع على الجميع، لكنها تقع بصورة خاصة على عاتق رئيس الوزراء باعتباره المسؤول التنفيذي الأول عن أمن الدولة وسياساتها وإدارة الأزمات. فالمرحلة تحتاج إلى جهود استثنائية، واتصالات سياسية ودبلوماسية مكثفة، وقرارات واضحة، واستعدادات أمنية واقتصادية حقيقية، بعيداً عن الانتظار حتى تقع الأزمة ثم البحث عن حلول لها.
العراق بحاجة إلى أن يعلن بوضوح: لن نكون جزءاً من حرب الآخرين، ولن نسمح باستخدام العراق ممراً لضرب أي دولة، ولن نقبل أن تتحول أرضنا إلى ساحة صراع إقليمي أو دولي.
إن سياسة النأي بالنفس لا تعني الحياد السلبي أو الانعزال عن المنطقة، بل تعني امتلاك قرار وطني مستقل، وإدارة علاقات العراق مع محيطه على أساس المصالح المتبادلة، وحماية البلاد من الانجرار إلى صراعات قد يدفع الشعب العراقي وحده ثمنها.
لقد مر العراق بتجارب قاسية، ودفع أثماناً باهظة نتيجة الصراعات الإقليمية والدولية. ولذلك فإن الحكمة اليوم تقتضي ألا نكرر الأخطاء نفسها. فالسياسة الناجحة ليست في اختيار أحد طرفي الصراع، وإنما في حماية العراق من الصراع نفسه.
إن العاصفة قد تهدأ، وقد تتسع، وقد تأخذ مسارات لم تكن متوقعة. لكن ما يجب ألا يبقى غامضاً هو موقف العراق. فالعراق بحاجة إلى قرار وطني واضح، وإلى دولة تتحدث بصوت واحد، وإلى استراتيجية تضع أمن العراق وسيادته ومصالح شعبه فوق كل اعتبار.
في زمن تقلبات الطقس الدولي، لا يكفي أن نراقب اتجاه الرياح؛ علينا أن نعرف كيف نحمي بيتنا الوطني من العاصفة .