العالم يتعلّم الإستغناء عنّا.. العراق وكلفة خسارة المكان
كاظم نزار الركابي
في بانكوك، الخميس 15 تشرين الأول، تحدثت المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية نغوزي أوكونجو-إيويالا إلى رويترز، على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين. حمل حديثها، بلغة الاقتصاد الهادئة، معنى ثقيلًا: بعض التحولات التي فرضتها حرب الشرق الأوسط على طرق التجارة مرشّحة للدوام. وفي روما، في اليوم ذاته، قدّم وزير الخارجية فؤاد حسين لنظيره الإيطالي الفاتورة: نحو ستين مليار دولار خسرها العراق خلال الحرب. وفي المساء، اجتمع في مجلس النواب ببغداد 261 نائبًا، للتصويت على 11 وزيرًا وثلاثة نواب لرئيس الوزراء، بعد خمسة أشهر من الانتظار. ساعتان في يوم واحد: ساعة العالم تحسب الطرق التي سيعبر منها مستقبله، وساعة بغداد تحسب المقاعد.
بين الساعتين مسافة يصنعها التأجيل، والعراقي يدفع من عمره ثمن اتساعها.
في 8 تشرين الأول، رفعت منظمة التجارة العالمية توقع نمو حجم تجارة السلع العالمية لعام 2026 إلى 3.9 بالمئة، فيما توقعت انكماش صادرات الشرق الأوسط بنسبة 17.2 بالمئة ووارداته بنسبة 15.4بالمئة. المفارقة تقف واضحة: العالم يجد ما يدفع تجارته إلى الأمام، ومنطقتنا تواجه تراجعًا حادًا.
تراجع الصادرات
ويحمل التقرير تفصيلًا أشد وقعًا. تراجعت صادرات النفط الخام من الشرق الأوسط بنحو 24بالمئة في النصف الأول من العام، وصادرات الغاز الطبيعي المسال بنحو 47 بالمئة، فيما انحصر تراجع الصادرات العالمية عند نحو 6بالمئة للخام و1بالمئة للغاز. والعراق في قلب هذا الرقم: بلد كان يصدّر نحو ثلاثة ملايين ونصف المليون برميل يوميًا، أغلبها عبر هرمز، امتلأت خزاناته وتوقف الإنتاج في معظم حقوله، وصار جزء من نفطه يعبر إلى سوريا على ظهور الصهاريج.
تُحوَّل طلبية، ويُوقَّع عقد، وتُختار وجهة أخرى، ثم تمضي الحياة في مكان ويطول الانتظار في مكان آخر. هكذا يعمل الاستبدال الصامت. تتغير حسابات العالم من دون أن يصل إلى بغداد إشعار بما تخسره.
وفي 16 تشرين الأول، نقلت رويترز عن مسؤولين في قطاع الوقود البحري أن السفن تنوّع موانئ التزوّد، مع استخدام أكثر تكرارًا لموانئ مثل كولومبو وصلالة وبورت لويس. صار للتحول أسماء وأرصفة. تصل سفينة، ويُباع وقود، وتعمل خدمات في مكان آخر. بعض النشاط يعود حين يهدأ الخطر؛ أما الميناء الذي دخل حسابات الشركات، فكسب فرصة لإقناعها بالبقاء.
الطريق البديل يبدأ إجراءً للطوارئ، ثم يدخل المنافسة على المستقبل.
وفي بغداد، يوم الأحد 18 تشرين الأول، وعلى هامش الدورة الـ52 لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي التي تسلّم العراق رئاستها، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن عرض إعادة فتح هرمز باقٍ على الطاولة، مشروطًا بقبول واشنطن شروط طهران. مفتاح الشريان الذي يتنفس منه العراق أُعلن من عاصمته، بلسان غيره. وفي القاعة ذاتها، اقترح رئيس الوزراء علي الزيدي مبادرة تربط الدول الأعضاء بالسكك والطاقة والاتصالات الرقمية. البلد الذي يعرض ربط العالم الإسلامي، يشحن نفطه إلى جارته بالصهاريج.
احتمال الانفراج يعيد السؤال إلى ما سيبقى بعده. فتح المضيق يعيد إمكان العبور؛ أما استعادة الأعمال التي بحثت عن بدائل فتخضع لحسابات أصحابها. والمضيق المعروض فتحه سجّل منذ مطلع تشرين الأول 23 هجمة على السفن، بحسب هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية. كل هجمة منها درس إضافي في الاستغناء.
الشحنة المتأخرة يمكن تعويضها. أما الزبون الذي تعلّم الاعتماد على بديل، فعودته تحتاج أكثر من فتح الطريق. فالشركة التي أنفقت لتأمين إمداداتها بنت علاقات جديدة، والمستثمر الذي أقام منشأة ربط بها عمالًا وموردين وعقودًا لسنوات. وحين تهدأ المدافع، تكون مصالح استقرت بعيدًا عن مواضع الخطر.
تحتفظ المنطقة بمزايا في الكلفة والإنتاج تجعل استبدال بعض إمداداتها صعبًا، ويبقى النفط العراقي مطلوبًا. والاحتفاظ بالمشتري يحتاج إلى صيانة الأسباب التي جاء من أجلها. والخطر يمتد إلى الأعمال التي لم تصل بعد: مصنع يختار بلدًا آخر، وخدمة تنمو حول ميناء بديل، واستثمار يحسم وجهته بينما نواصل التفاوض على شروط البداية.
الجغرافيا تمنح العراق مكانه على الخريطة. أما مكانه في الاقتصاد فتمنحه إياه القدرة على العمل. بين الاثنين تقف دولة تستطيع أن تحوّل موقعها إلى إنتاج وأجور، أو تتركه وعدًا يتنقل بين المؤتمرات.
في بغداد، يُفتح باب بعد اتفاق، وتنتظر أبواب أخرى اتفاقًا جديدًا. تُحسم تسمية المسؤول، ثم تبدأ مفاوضات الصلاحية. يكتمل التوقيع، وينتظر التنفيذ موافقة أخرى. وعلى الجانب الآخر، يجلس صاحب مشروع أمام حساباته: كلفة التمويل ترتفع، وموعد التشغيل يقترب، وعرض بلد آخر ينتظر على الطاولة.
يستطيع صاحب المنصب أن ينتظر نهاية التفاوض. أما المشروع فله موعد تنتهي عنده جدواه.
الأولى تتسع لجولة جديدة من المساومة، والثانية تقطع من الربح والفرصة كل يوم. وحين تُدار المؤسسة بمنطق الجهة التي تملك تسميتها، يحمل العقد توقيع الدولة، ثم ينتظر رضا أصحاب النفوذ.
وناقش مركز تشاتام هاوس البريطاني، إمكانات طرق جديدة للطاقة والتجارة تشمل العراق وسوريا ولبنان، وربط اغتنامها بإصلاحات أوسع، وختم بعبارة تصلح عنوانًا لمرحلتنا: الترابط لا يساوي السيادة. فالخط الذي يجمع المدن على الخريطة يحتاج مؤسسات تجمع مسؤولياتها على الأرض، وتحمي الطريق وتفي بالعقد.
حين يعرض العراق نفسه معبرًا للتجارة، تدخل قدرة دولته على ضبط أرضها في صميم العرض. وحين يدعو إلى استثمار طويل، فإنه يطلب من الشريك أن يأتمنه على سنوات مقبلة، وأن يثق بأن ما وُقّع اليوم سيبقى محترمًا بعد تبدل الوجوه والتحالفات.
تستطيع الحكومة إعلان مشروع كبير في ساعة. أما بناء الثقة به فيحتاج سجلًا من الوفاء. المستثمر يقرأ المسافة بين التوقيع والتنفيذ، وبين الموعد المعلن والموعد المحترم. وكل غموض فيها يطلب ثمنه: تمويلًا أغلى، أو ضمانات أثقل، أو انتظارًا ينتهي باختيار آخر. تلك هي علاوة الانتظار، يدفعها العراق على كل عقد قبل أن يبدأ.
انتظام القرار
والعراق قادر على تقديم أسباب لاختياره. ثروته وموقعه وسوقه تمنحه فرصة؛ وانتظام قراره يحوّلها إلى مصلحة للشركاء.
أما الفرصة التي تُترك معلقة، فيلتقطها من يستطيع إنزالها إلى الأرض.
أشد الخسائر تلك التي تمر بلا إعلان. مصنع أغلق أبوابه يترك عمالًا معروفين، وصورًا، وأرقامًا يمكن السؤال عنها. أما المصنع الذي اختار بلدًا آخر قبل أن يقدم طلبًا إلى العراق، فيغيب من دون خبر. والوظائف التي كان سيخلقها لن يظهر أصحابها في قائمة المسرّحين.
تضيع الوظيفة أحيانًا قبل أن يُعلَن عنها، ويبقى صاحبها المحتمل يبحث عن سبب بطالته في نفسه.
شاب يطيل اعتماده على أسرته. مهندسة تؤجل بيتًا كانت تحلم بتأسيسه. صاحب ورشة يؤخر تشغيل عامل جديد. تتعدد أسباب ضيقهم، ويضيف إليها الاستثمار الضائع بابًا آخر من الأبواب المغلقة. هناك يتخذ التأجيل شكله الإنساني: سنوات تمضي، وأحلام تضيق كي تلائم ما بقي.
وفي الجهة الأخرى، يصل راتب إلى بيت، وتُفتح ورشة، ويبدأ شاب حياته المهنية. الفرصة التي تتعطل عندنا تتحول عند غيرنا إلى حياة كاملة.
لهذا يحمل احترام الدولة لوقتها معنى أبعد من كفاءة الإدارة.
فهو احترام لوقت المواطن الذي ينتظر نتيجة عملها. الورقة المؤجلة على مكتب مسؤول تحمل أحيانًا في نهايتها رزق أسرة، والموافقة التي تتنقل بين الجهات تحمل مشروعًا ينفد صبر صاحبه قبل أن ينفد صبر المكاتب.
ستنتهي أزمات، وتُفتح طرق، وتبقى آثار العقود التي وُقّعت والمصانع التي بُنيت في أماكن أخرى. بعض الخسائر ينتظر هدوء العالم كي يظهر كاملًا.
في بانكوك، كان الحديث عن بدائل مرشّحة للبقاء. وفي بغداد، انتهى التصويت وبقي امتحان ما ستفعله المقاعد بأصحاب الانتظار.
أثقل ما سيكتشفه العراقي بعد انتهاء الأزمة أن مستقبله لم يكن ينتظر معه. كان يُبنى في بلد آخر.