الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
النمر الذي لم ننتظره

← بواسطة azzaman

النمر الذي لم ننتظره

محمد غاني

 

في مقال لافت بأسبوعية دير شبيغل الألمانية، يروي الصحفي شتيفان شولتس كيف قاده مشهد عابر في حديقة حيوان إلى ثمانية أسابيع من مساءلة النفس، ثم إلى تجربة عملية في الكرم انتهت بخلاصة غير متوقعة: قد يكون الجشع عرضا لفقدان الثقة أكثر منه عيبا في الطبع.

في عصر يوم مشمس من منتصف مايو، كان الكاتب يركض مع ابنه يانوش، ابن الرابعة، عبر حديقة للحيوان. أراد الطفل أن يرى النمر قبل كل شيء، وما إن بلغاه حتى طلب الانتقال إلى الحيوان التالي. حاول الأب أن يدعوه إلى التمهل والامتنان بما أمامهما، لكنه سمع كلماته تخرج جوفاء، فقد كان هو نفسه، في يوم مخصص للعائلة، مشغولا بقائمة ما يريد أن يراه وينجزه. وتذكر أن ابنه قال له قبل قليل إنه يمشي بسرعة كبيرة، وأنه وعد الصغير ذات مرة بدمية يشتريها له ليحظى بدقائق من الهدوء يجري فيها مكالمة. ومن هنا انبثق السؤال: هل يقلد الطفل ما يراه من ولع بالمزيد يسود المجتمع كله، ويمارسه الأب أيضا؟

يلاحظ شولتس أن الجشع قيل فيه الكثير: من أغنية لفرقة كوين تطلب كل شيء الآن، إلى العبارة الشهيرة في فيلم «وول ستريت» التي تمجده، وصولا إلى العقار الفخم الذي يملكه نجما الغناء بيونسيه وجاي زي بمساحة تناهز 2800 متر مربع. وقد حملته المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل مسؤولية الأزمة المالية العالمية عام 2008، ورأى فيه مارتن لوثر منبع التلاعب والغش. ويعد الجشع الشعور الاقتصادي بامتياز، والمشكلة الجوهرية في الرأسمالية، غير أن الحد الفاصل بين السعي المعتدل الذي يصنع الرفاه والإفراط الذي يمزق المجتمع غير واضح، ونحن نميل إلى رسمه أكثر سخاء حين يتعلق الأمر بأنفسنا.

والكاتب نفسه لم يكن يرى نفسه جشعا. فقد انضم إلى قسم الاقتصاد في المجلة يوم انهيار مصرف ليمان براذرز، وكتب منذ ذلك الحين تعليقات نارية كثيرة ضد الجشع. وهو يملك مجموعة متواضعة من الأسطوانات، ومجموعة كتب أقل تواضعا، ويسكن شقة مستأجرة وصفتها صديقة مؤخرا بأنها صغيرة فعلا، فاعتبر ذلك شهادة على قناعته. لكنه، منذ زيارة الحديقة، قرر أن يتصرف بصرامة مع نفسه.

بدأ في اليوم التالي يوميات للجشع، يدون فيها المواقف التي يشعر فيها بأنه لم ينل ما يكفي، وسرعان ما اكتشف أن الظاهرة تمتد إلى ما هو غير مادي. فهو يعد البلدان التي زارها بنوع من الطموح، ويلتهم قوائم الأغاني والكتب المسموعة، وحتى في خلوات التأمل يلهث من تجربة ذاتية إلى أخرى. وفي إعداده لهذا المقال قرأ ثلاثة كتب، واستمع إلى خمسة بودكاست، وحاور نحو اثني عشر شخصا، فوجد نفسه جالسا على جبل من المواد لا يعرف أين يضعه. وخلص إلى نمط ثابت: كلما فعل شيئا يريده حقا، انزلق إلى التكديس.

استعان الكاتب بثنائية المحلل النفسي إريش فروم: نمط الكينونة، حيث يعيش المرء اللحظة ويستمتع بالحياة، ونمط التملك، حيث يطلب الأمان والحيوية من الأشياء، وكثيرا ما يختلط النمطان. وكتب ذات ليلة على شرفته أنه يقيم في نمط التملك أكثر مما ينبغي. ثم لاحظ أن الجشع نادرا ما يأتي وحده، بل يصحبه عادة حزمة من المشاعر المتناقضة.

أولها البخل، وهو أشبه بحزام بارد يشد الصدر؛ كأن يمتنع عن إعطاء عامل توصيل البيتزا إكرامية ويزعم أن محفظته ليست معه، أو يغتاظ لأن صديقا يدعوه إلى الطعام ثم لا يرد الدعوة، بينما يجد جزء آخر منه هذا الغيظ مخجلا. وثانيها قلق متصاعد، كأن يشتاق إلى حفل موسيقي يحبه ثم تلازمه رغبة مؤلمة لا ترتوي، تدفعه من جرعة دوبامين إلى أخرى. وثالثها، وهو الأبرز، أنانية تظهر حين يقود دراجته إلى العمل في مدينة مزدحمة، فيتحول الآخرون من بشر إلى عقبات تعترض طريقه.

ويرى الكاتب في هذا الشعور بالانفصال أساس الجشع كله. فالفيلسوف الثقافي جيريمي لنت يعزو ذلك إلى أننا لا نحس بألم الآخرين، فيسهل علينا استغلالهم موارد. وهذه هي الآلية الكامنة وراء ملابس الماركات التي يخيطها عمال في أقاصي العالم بأجور زهيدة، وشركات تتحايل على القيود البيئية، ومستهلكين مثله يعدون ذلك كله أمرا عاديا.

في مطلع يونيو قرر شولتس أنه رسم من خريطة جشعه ما يكفي، فحمل حقيبتي ظهر مملوءتين بالكتب وقصد «صندوق التبادل»، وهو خزانة تقاوم الطقس في حيه يترك فيها الناس كتبهم لمن يشاء، وابنه جالس خلف ظهره على الدراجة. فرح بفخر ابنه به، لكنه سأل نفسه بصدق عن مدى تجرده، إذ لم يتخل إلا عن كتب لا يحبها، ومنها مجلدات أرسلتها إليه دار نشر دون طلب. وعلق بأن عطاءه أقرب إلى التخلص من الأشياء منه إلى الإهداء.

وفي اليوم التالي تبرع بسراويل وقمصان لم تعد تناسبه في متجر منظمة أوكسفام، وحمل فائض مأكولات الشواء إلى ثلاجة عامة يأخذ منها من شاء، وأعطى بائع صحيفة المشردين عشرة يورو أمام متجر الحي. غير أنه اشترى لنفسه بعد ذلك قهوة بالكراميل بثمن لا يقل كثيرا، فأحس بالضآلة. وفكر في أن يعطي الرجل خمسين يورو في المرة المقبلة، ثم أدرك أن حرجه من الكتابة عن ذلك يفضح حقيقة أخرى: إن المسألة تتعلق أيضا بالاعتراف الاجتماعي، وإنه عالق في كرم استعراضي. وفي المساء نشر على بوابة إلكترونية للجوار عرضا


مشاهدات 41
الكاتب محمد غاني
أضيف 2026/10/17 - 1:47 PM
آخر تحديث 2026/10/17 - 11:01 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 168 الشهر 33528 الكلي 16618697
الوقت الآن
الأحد 2026/10/18 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير