هكذا عرفت الدكتور سامي المظفر.. شهادة وفاء في ذكرى أربعينية عالم ورجل دولة
إبراهيم بحر العلوم
كلما استعدت صورة المرحوم الصديق الدكتور سامي المظفر، ترتسم ابتسامته امامي. تلك الابتسامة التي كانت تتسع أحيانًا لسؤال لم ينطق به، أو لعتاب لم يشأ أن يتحدث به. وفي أربعينيته، أجدني اعود اليها لاستذكار سنوات من المعرفة والزمالة والصداقة التي امتدت أكثر من عقدين بما ضمته من أحداث وتحولات في بلدنا والمنطقة. وأحاول اليوم تدوين ما تبقى في الذاكرة عن رجل عرفته، وشهدت فيه اعتداد المسؤول بادراته، واعتزاز العالم بعلمه، وقلق المواطن على بلاده، وصراحة الإنسان حين يشعر بأن التجربة لا تمضي إلى الغاية التي آمن بها.
ومعرفتي بالدكتور المظفر لها وجه اجتماعي، لما بين أسرتينا من صلات المودة والتقدير، اذ تختزن الذاكرة العديد من شخصيات اسرة ال المظفر لها مكانتها الدينية والعلمية في العراق. فوالده العلامة الشيخ عبد المهدي المظفر، من العلماء الكبار الذين حملوا العلم تدريسًا وتأليفًا وتربية. وحين تستحضر الذاكرة رموز الاسرة، تجد في مقدمتهم اية الله الشيخ محمد حسن المظفر، وما تواصل من عطاء علمي في أخوانه ومن ابرزهم المجدد الشيخ محمد رضا المظفر، صاحب مشروع منتدى النشر وكلية الفقه، بما مثل مشروعه من سعي إلى تطوير التعليم الحوزوي، وإعداد أجيال امتلكت القدرة الثقافية على الانتشار والعطاء. وفي هذا السياق نستذكر احد رواد المشروع الاصلاحي العلامة الشيخ الدكتور محمود المظفر، نجل الشيخ محمد حسن المظفر، الذي شاركنا بأفكاره في بدايات العملية السياسية. وكان حضوره في تلك البدايات وجهًا آخر لإسهام هذه الأسرة في الشأن العام.
أستعيد لقاءنا الأول بالدكتور المظفر، ولعله كان عام 2004، في إحدى جلسات تضم الشخصيات المستقلة المهتمة بالشأن العام. كان العراق يومها مفتوحًا على الآمال والألآم، وكنا نتطلع إلى دور تستطيع فيه الكفاءات المستقلة أن تسهم في رسم ملامح النظام السياسي. جلس المظفر مبتسمًا، فيما كانت عيناه تتحركان في المكان، تتابعان الوجوه والكلمات وما ورائها. لم أعرف حينها ماذا يدور في فكره، لكنني عرفت فيما بعد، أنه كان سريع الانتباه إلى المسافة بين ما يقال وما يجري، وأن خبرته الطويلة جعلته متأنياً لما ستفض به التجربة.
وزيرا للتعليم العالي
ثم جمعتنا الزمالة في حكومة الدكتور إبراهيم الجعفري، فتطورت العلاقة. كان إنسانًا متوقدًا، يحمل تجربة غنية، وحريصًا على نجاح التجربة الحكومية في مرحلة شديدة الصعوبة. وكانت ملاحظاته في مجلس الوزراء جريئة وواضحة؛ يقول رأيه من دون كثير من المقدمات، ويذهب إلى موضع الخلل كما يراه. وقد يختلف معه البعض، لكنه يدرك أنه أمام رجل لديه ما يقوله، وأن وراء كلامه خبرة تستحق الإصغاء. كنت ألمس في تعليقاته حرصًا على أن يكون للمعرفة موقع في القرار، وأن تُقاس مسؤولية المنصب بما يتركه من أثر في المؤسسة التي يتولاها.
دخل المظفر العمل التنفيذي مؤمنًا بإمكان إسهام الشخصيات المستقلة في بناء الدولة. وكان هذا الأمل يجمع كثيرين ممن تصوروا أن العراق، بعد كل ما مر به من ويلات ومصائب، سيمنح الكفاءة فرصة لتضع بصمتها في مستقبله. غير أنه اكتشف مبكرًا، كما اكتشف آخرون، أن التنافس على السلطة يسبق في أحيان كثيرة الاهتمام ببناء مؤسساتها. وكان يؤلمه أن تبقى صورة الدولة واضحة في البرامج والأوراق، فيما تنصرف جهود واسعة إلى تثبيت السلطة وتقاسم النفوذ. وفي أحاديثه اللاحقة، كنت أسمع نقد العالم الذي يعرف قيمة الادارة والكفاءة، وألم المواطن الذي رأى الفرصة تكبر ثم تتعثر أمام عينيه.
معهد العلمين للدراسات العليا
ومن المواقف التي بقيت في ذاكرتي أننا استشرناه، حين تولى وزارة التعليم العالي، في الحصول على إجازة لفتح معهد للدراسات العليا، كان داعماً للمشروع ومقترحا في الوقت ذاته ان يشمل الدراسات الأولية. كان اهتمامنا منصباً على الدراسات العليا بهدف إعداد كوادر متقدمة تسهم في بناء الدولة، وتبحث في مشكلات المجتمع ومؤسساته. بقي الدكتور المظفر متابعاً مشروع معهد العلمين للدراسات العليا وشاهداً على تطوره العلمي. اهتمامه بجريدة المواطن وفي عام 2008، طلبت منه أن يكتب لجريدة «المواطن» حلقات عن تجربته في التعليم العالي. كنت أرى أن ما اختزنه من خبرة يستحق أن توثق، وأن يُتاح للعاملين في الجامعات وللمهتمين بمستقبل التعليم الاطلاع عليها ومناقشتها. لقد استجاب للمبادرة باريحية، وبدأ يكتب خلاصة تجربة امتدت نحو ثلاثة عقود او اكثر. ووعدته يومها بأن نجمع تلك المقالات في كتاب تكون متاحة للقراءة والمراجعة. لم يفاجئني الدكتور المظفر المشاركة والالتزام الأسبوعي بها؛ فقد عرفته حاضرًا بعطائه في الموقع وخارجه. لكن المفاجأة جاءت من ردود القراء التي أخذت تصل إلى الموقع الإلكتروني للجريدة من أنحاء مختلفة من العالم. كنا أمام نافذة تكشف لنا جانباً واسعاً من أثره التعليمي والتربوي. تلامذة وزملاء، فرقت بينهم البلدان والمسافات، أعادتهم مقالاته إلى حوار مع أستاذ عرفوه، أو صاحب تجربة وجدوا في حديثه ما يستحق المناقشة والإضافة. ومن خلالهم بدأت أرى امتدادًا علمياً آخر للفقيد الكبير المظفر.
كان مقاله الأسبوعي يجتذب، في كثير من الأحيان، نحو عشرين إلى ثلاثين تعقيباً. ولم تكن أغلبها كلمات مجاملة عابرة؛ كان بينها ما يرقى إلى مقالات وبحوث، بما تحمله من تجربة ورصانة ورغبة في تطوير التعليم العالي. وهكذا صارت الصفحة مساحة يلتقي فيها الأستاذ بطلابه وزملائه من جديد، ويتحول فيها ما كتبه عن تجربته إلى مناسبة لاستحضار تجارب كثيرة، لكل منها صوتها وزاوية نظرها. ظننا أول الأمر أن هذا الإقبال سيخف مع مرور الأسابيع، وأن حرارة الاستجابة الأولى ستنحسر تدريجيًا. لكننا أخطأنا الظن؛ فقد تواصلت الردود، وازدادت وتنوعت، وكشفت عن رغبة حقيقية في المشاركة. وكان في ذلك ما يبعث على الفرح: أن يظل للتجربة العلمية حضورها، وأن يجد الحديث عن إصلاح التعليم العالي من يتابعه بجدية، على الرغم من صخب السياسة وثقل الأزمات. أما بالنسبة إليّنا، فقد منحتنا تلك المساهمات معرفة أقرب بالمظفر المربي، وبالأثر الذي بقي له في نفوس تلامذته بعد أن مضى كل منهم في طريقه.
وفي إحدى زياراتي له، أخبرته أننا عازمون على طباعة الردود أيضاً في كتاب. فرح بالمبادرة، ولمست في فرحه اعتزازاً باهتمامنا بمقامه العلمي، وسروراً بما كشفته المقالات من استمرار التقدير والاحترام من طلبته وزملائه. ومع اتساع المادة، صار التفكير يتجه إلى ضمها في مجلدين أو أكثر؛ إذ أخذ حجم المساهمات يضاهي مقالاته، ويمنح المشروع قيمة إضافية بتعدد خبرات كتابها وتنوع التجارب. ولعل أجمل ما في المشروع آنذاك أنه كان سيحفظ حوارًا علمياً حياً، نشأ من تجربة أستاذ، ثم اتسع بما أثارته لدى الآخرين من أفكار وأسئلة. بقي يكتب لـ«المواطن» قرابة عامين او اكثر. وكلما التقينا، عاد الحديث إلى الكتاب. يذكرني بالمبادرة أحيانًا، وأقرأ السؤال في ابتسامته، فأجدد وعدنا بالوفاء. كانت الأيام تأخذنا إلى مشاغلها حتى عقدنا العزم على تنفيذه، تقديرًا لما يمثله الدكتور المظفر من قيمة علمية. غير أن ما لم نحسب حسابه سبقنا، وأصاب المشروع في كبده. لقد تعرض الموقع الإلكتروني للجريدة للاختراق، وضاع أرشيف «المواطن»، ولم نتمكن من استعادته. كان الاختراق أمراً وارداً في ظروف تلك المرحلة، أما العجز عن استرداد الخزين فكان الانتكاسة الأشد. فقد ضاع أرشيف المواطن وضاعت معه مقالات المظفر والردود. واضطررت إلى مكاشفته بما جرى. استمع، ثم ضحك وابتسم. وإلى اليوم لا أدري ماذا كانت تعني ابتسامته؛ أكانت مواساة لنا، أم تسليماً بما وقع؟ لكنني ما زلت أذكرها، ويثقل عليّ كلما استعدتها أن مشروعًا أحبه صاحبه لم يتحقق.
اهتمام لم ينطفئ
وكانت لنا، بين حين وآخر، زيارات إلى منزله في مجمع الوزراء، بصحبة سيدنا الوالد. تتسع الـــــــــــجلسة للحديث عن الماضي، ثم تعود بنا إلى الحاضر، وما نرجوه للمستقبل. كان جريئًا في نقد الأوضاع السياسية، يتابع مجريات الأمور، ويصل بين ما يحدث في الحكم وما يتركه من أثر في التعليم والمجتمع. وفي تلك المجالس كان المرء يشعر بأنه أمام إنسان ظل عقله مشغولًا بالعراق، وأن خروجه من المسؤولية التنفيذية لم ينه صلته بأسئلتها، ولم يخفِ حاجته إلى إبداء الرأي فواصل كتابة يومياته وآرائه على «فيسبوك» بصراحة، متابعاً السياسة والتعليم وتفاصيل الحياة العامة. وكان هذا الحضور امتداداً لطبيعته التي عرفناها؛ يستند إلى علمه وخبرته، ويعتز باستقلاليته، ويقول ما يعتقده بوضوح. وقد حملت صراحته في بعض الأحيان مرارة الخيبة، لكنها ظلت تكشف عن اهتمام لم ينطفئ. كأن الكتابة تمنحه مجالًا لمواصلة ما يستطيع من خدمة، ومساحة يضع فيها رأيه أمام من يريد أن يقرأ ويحاور.
وزرته قبل نحو عامين مع الصديق النائب والوزير السابق الشيخ عادل الشرشاب. كانت ذاكرته ما تزال حاضرة، تغذيها متابعته المستمرة وكتاباته، وكانت الأحاديث تستعيد محطات من التجربة، وتفتح أسئلة عما آل إليه الحال. رأيت في ابتساماته يومها ما ذكّرني بالحلم الذي حملناه في البدايات: أن نضع لبنات دولة يكون للعلم فيها مقامه، وللكفاءة فرصتها. ولا أزعم أنني كنت أعرف كل ما يدور في نفسه، لكنني كنت أعرف أن هذا الحلم ظل حاضرًا في كلامه، وأن خيبة التجربة لم تمحُ من ذاكرته ما كان يرجوه للعراق.
قلادة التميز المعرفي
وقبل رحيله بشهرين، اتجهت نيتنا في المؤسسة إلى إقامة برنامج مخصص لتكريمه، نستعرض فيه مسيرته العلمية، وندعو بعض من عرفوا منجزه العلمي للحديث عنه، ونقلده قلادة «التميز المعرفي» التي اعتادت المؤسسة تقديمها إلى العلماء الكبار في برامج الملتقى. وأن يسمع من زملائه ومحبيه وهو في خريف العمر كلمات التقدير وهو حاضر بينهم. فزاره المدير التنفيذي للملتقى، السيد الغريفي، في منزله، وأبلغه بنيتنا. كان المرض قد أخذ مأخذه منه، فاعتذر عن قبول التكريم. وبقيت المبادرة التي أردناها لقاء فرح ووفاء حسرةً أخرى في الذاكرة. لقد تأخرنا عليه في التكريم، كما تأخرنا في طباعة مقالاته والردود عليها. وأذكر هذا اليوم لأن الوفاء يقتضي أن نعترف أيضًا بما لم ننجزه في وقته.
رحيل عالم ورجل دولة
وحين بلغنا نبأ رحيله، استحضرنا عالماً اقترن اسمه بالمعرفة، ورجل دولة آمن بأن مستقبل بلاده يحتاج إلى العلم والخبرة والمسؤولية. وإن خسارته تمتد إلى المشهد العلمي والثقافي العراقي، وإن ذكره سيبقى لدى جيل عرف فيه أستاذاً ومربياً وصاحب رأي. في أربعينية العالم العراقي سامي المظفر، فرصة لاستعادة حق العلماء علينا، وأن نصون ما يتركونه من معرفة وتجارب. لقد ترك في ذاكرتنا سيرة رجل ظل حاضر الذهن، واضح الرأي، يحمل للعراق أمله وقلقه حتى حين أثقلته التجربة.
رحم الله الدكتور سامي عبد المهدي المظفر برحمته الواسعة، وجزاه عن علمه وعطائه وخدمته للعراق خير الجزاء، وألهم أسرته وذويه وتلامذته ومحبيه الصبر والسلوان. أما ابتسامته، فستبقى مقرونة بذلك الكتاب الذي انتظره، وبوعد لم يسعفنا الوقت للوفاء به لتذكرنا أن للراحلين الكبار حقوقًا تظل حية فينا، وأن أجمل الوفاء لهم أن نحفظ أثارهم وندرس تجاربهم.