الدينار وإمتحان الدولة (1-3)
كم يجوع المواطن لكي تتوازن الخزينة ؟
كاظم نزار الركابي
حين تعيد أمٌّ حساب الشهر، تمتلك سلطةً صغيرة وقاسية: أن تحذف. تؤجل ثوبًا، وتقلل كمية، وتترك حاجة إلى الشهر المقبل. أما الخبز والدواء، فيجلسان أمامها كحقيقتين تستعصيان على الشطب. الراتب هو الراتب، والأفواه هي الأفواه، والورقة الصغيرة تطالبها بمعجزة. وفي مكان آخر، تستطيع الخزينة أن تسجّل التزامها كاملا: الراتب دُفع.
بين الحسابين يعيش العراقي. تتحدث الدولة عن المبلغ الذي أوصلته إليه، ويتحدث بيته عمّا يستطيع ذلك المبلغ أن يوصله إلى المائدة. وحين تتسع المسافة بينهما، يبدأ “العجز المنقول”: تتحمل الأسر جانبًا من الاختلال الذي ضاقت الدولة بمعالجته داخل حساباتها. ومن هنا يأتي السؤال الذي يستحق أن يتصدر النقاش: متى يكون إنقاذ الخزينة تعافيًا للبلد، ومتى يكون نقلًا للأزمة إلى بيوت أقل قدرة على احتمالها؟
في 7 تشرين الأول 2026، اعتُمد سعر بيع الدولار للجمهور عند 1520 دينارًا، بدءا من 1320. انتقل رقم من قرار رسمي إلى حياة الناس. وما يظهر على شاشة الصيرفة فرقًا بين سعرين، يجد طريقه إلى الغذاء والعلاج والعمل. الدينار الذي تتراجع قدرته على الشراء يأخذ معه شيئًا من قدرة صاحبه على الاختيار.
منافذ تعديل
تمنحنا الأواني المستطرقة صورةً عن ترابط الاقتصاد. يعبر الأثر من وعاء إلى آخر، لكنه يصل إلى الناس بسرعات وأحجام مختلفة. للسوق منافذ لتعديل السعر، ولصاحب الدخل الثابت انتظارٌ قد يطول. وبين الحركة والانتظار، يقتطع الغلاء من حياة الأسرة.
يدخل الدولار من السلعة المستوردة، ومن المادة الأولية والآلة وقطعة الغيار. وقد تحمل البضاعة ختم “صنع في العراق”، وتحمل كلفتها مدخلات مشتراة من الخارج. وتختلف استجابة الأسعار بحسب المخزون والمنافسة والدعم وسعر تمويل الاستيراد. بعض الكلفة يُمتص، وبعضها يُنقل. وعند الطرف الأضعف تضيق القدرة على تمرير العبء إلى أحد، فيُمرَّر إلى الحاجات: طعام أقل، وشراء مؤجل، وعلاج ينتظر.
وقد تدخل التوقعات في التسعير قبل وصول شحنة جديدة. يخشى التاجر كلفة تعويض مخزونه، ويخشى المستهلك ارتفاعًا آخر، فتغدو الثقة نفسها جزءًا من الأزمة. هنا تتقدم مسؤولية الدولة عن الإمدادات والمنافسة والرقابة؛ إذ يستطيع خوف الناس أن يغدو موردًا لمن يتاجر به.
وفي 10 تشرين الأول، أكد البنك المركزي متابعة عدم تحميل التجار فروق الصرف عن حوالات ثبت شراؤها وتغطيتها بالسعر السابق، وكانت مستحقة للتنفيذ قبل 7 تشرين الأول. إجراء يحمي حقًا ماليًا، ويفتح سؤالًا عن أثره في السوق: كيف تنعكس كلفة التمويل الفعلية على سعر السلعة؟ للمستورد حق في تنفيذ حوالته، وللمستهلك حق في رقابة تمنع اتخاذ فرقٍ لم يُدفع ذريعةً لتحميله كلفة إضافية.
فالحماية تمر بحلقات، وامتحانها عند آخرها. قد يستقر الحساب بين المصرف والتاجر، ويبقى المشتري أمام سعر يحتاج إلى تفسير. لذلك تمتد مسؤولية الدولة من سلامة تنفيذ الحوالة إلى متابعة الكلفة والتنافس والإتاحة. وكل إجراء يخفف عبئًا في أول السلسلة يستحق سؤالًا عمّا بلغ منه نهايتها.
ومن سوق الدواء جاء إنذار محدد. حذّرت نقابة صيادلة العراق في 8 تشرين الأول من تداعيات تغيير الصرف على الأدوية والمستلزمات الطبية، وطالبت بالإبقاء على السعر السابق لحوالات استيرادها والمواد الأولية الداخلة في صناعتها. وراء المطالبة مريض يحتاج جرعته في موعدها، ودخل يلهث خلف كلفتها.
حين يغلو العلاج، يدفع المريض من ماله أولًا؛ فإن عجز، صار جسده موضع الاقتطاع.
للدواء موعد في الجسد، وللطعام موعد على المائدة، ولإجراءات الدولة موعد تُحاسَب عليه. وما يتأخر في مكتب يصل إلى الأسرة في صورة حاجة معلّقة. يستطيع القرار أن ينتظر استكمال مخاطباته؛ أما المرض فيواصل عمله.
أعلنت وزارة التخطيط في شباط 2025 نتائج مسح أظهرت تراجع الفقر إلى 17.5 بالمئة مقابل 20.05 بالمئة في عام 2018. لتلك النتيجة قيمتها، ولها زمنها الذي قِيست فيه. أما الصدمة الراهنة فتضع حماية ما تحقق أمام امتحان جديد. فأرقام الأمس تمنحنا نقطة بداية، وحياة الناس تفرض متابعة ما يحدث اليوم.
فالأسرة القريبة من خط الفقر قد تهبط دونه عندما ترتفع كلفة أساسياتها ويثبت دخلها ويتأخر تعويضها. يبقى الأب في وظيفته، وتبقى العائلة على عددها، ويتراجع المال أمام حاجاتها. ترتفع كلفة الحد الأدنى، فيصعد خط الفقر نحو البيت الذي ظن أهله أنهم ابتعدوا عنه.
أما الأسرة الواقعة تحته أصلًا، فتواجه سؤالًا أقسى: ممَّ تقتطع بعد أن اقتطعت؟ يقل الغذاء كي يستمر العلاج، ويتأجل العلاج كي يُدفع الإيجار. تتنافس الضرورات على دخل يعجز عنها، ويسلب الفقر صاحبه حتى حرية ترتيب أوجاعه.
وثمة أسر تبقى فوق الخط، وتحتمي بادخار محدود أو عون قريب أو قدرة على الاستدانة. تبدو واقفة، والوقوف نفسه يستهلك ما تحت قدميها. فإذا نفدت المدخرات وضاق الدَّين، صار مرض واحد أو انقطاع عمل كافيًا لفتح السقوط. موقع الأسرة فوق خط الفقر لا يخبرنا وحده بمقدار الأمان الذي بقي لها.
وقد تعبر الأسرة الشهر وتخسر بعض قدرتها على عبور ما بعده. تسدد حاجاتها من مدخراتها، وتؤجل علاجًا، وتقتطع من تعليم أبنائها. يبدو حساب الشهر مغلقًا، فيما يبقى ثمن إغلاقه مفتوحًا على المستقبل. وهذه كلفة تستحق أن تدخل حساب التعافي: كم أسرة حافظت على معيشتها، وكم أسرة موّلت بقاءها باستهلاك ما كان يحميها؟
القدرة على الاحتمال لا تصلح وحدها دليلًا على سلامة السياسة.
هنا تتسع المحاسبة إلى ما وراء عدّ الفقراء. نحتاج معرفة من دخلوا دائرة الحرمان، ومن اقتربوا منها، ومن استنزفوا وسائل النجاة وهم يحاولون البقاء خارجها. وحين ينتظر التدخل اكتمال المأساة، يغدو الإحصاء شاهدًا على ما كان ممكنًا تداركه.
كلفة قبل التعويض
وتتفاوت القدرة على المواجهة. من يدّخر بالدولار يمتلك وسيلة لحماية ماله، ومن يستطيع رفع سعر خدمته يمتلك هامشًا للدفاع عن دخله. أما المتقاعد ومستفيد الرعاية والعامل بأجر ثابت، فتصلهم الكلفة قبل التعويض. ومن يعيش على أجر يومه يواجه ضغطًا مزدوجًا: ترتفع كلفة حاجاته، وقد تقل أيام عمله حين يتراجع إنفاق الناس. يغلو عليه العيش، وتضيق أمامه فرصة كسبه.
أمام مجلس النواب، أكد وزير المالية في 8 تشرين الأول الالتزام بدفع رواتب تبلغ 7.7 تريليون دينار شهريًا. لذلك الالتزام أهميته، ويبقى الحساب الآخر: ماذا تشتري هذه الرواتب لأصحابها؟ قد يكتمل كشف الدفع، وتبقى حاجات ناقصة في كشف المائدة.
للراتب موعدان: يوم يصل إلى اليد، ويوم ينفد منها. وبينهما يُمتحن معنى الحماية. وفي حساب الخزينة، يمنح ارتفاع عدد الدنانير المقابلة للدولار الإيرادَ الدولاري قيمةً محلية أكبر. لكن الحكم على النتيجة يتطلب حساب كلفة الواردات والدعم ومعيشة الناس أيضًا. وأي وصف للتعافي يكتفي بما تحسن داخل الخزينة، ويُسقط ما استُنزف خارجها، يقدّم نصف الحساب.
وجاء إعلان تأجيل استيفاء الرسوم الكمركية والضرائب على واردات غذائية محددة في 8 تشرين الأول ليضيف اختبارًا آخر: ما مقدار التخفيف الذي وصل إلى المستهلك، ومتى وصل؟ الفقير يحتاج نصيبه طعامًا متاحًا، وقيمة الإجراء فيما يتركه على المائدة.
ومن هنا يتقدم سؤال البدائل: ماذا تحمّلت الدولة داخل حساباتها قبل أن يصل الدور إلى لقمة المواطن؟ من يتحمل التضحية يمتلك حق السؤال عن ترتيبها، ومن يطلبها يتحمل واجب الجواب. تبقى الأم أمام ورقتها. تستطيع حذف حاجة أخرى، وإخفاء قلق آخر، ومنح أبنائها حصتها من الطعام. تلك قدرة موجعة على الاحتمال، تحملها المحبة وتغري الحسابات الباردة بأن تسميها تكيّفًا.
تمسك الأم قلمًا وتشطب من المائدة. وقبل أن تحتفي الدولة بتوازن حساباتها، عليها أن تقرأ ما شُطب.