أذن وعين
الذكاء الإصطناعي.. آية هذا الزمان
عبد اللطيف السعدون
تميل الذاكرة مع ولادة كل موجة تغيير وتحول إلى استعادة الموجات التي سبقتها، والتي لعبت أدوارا مشابهة لكنها، وبعد حفنة من السنين، ما لبثت أن انكفأت لتخلي المكان أمام موجة تغيير وتحول جديدة، هذا هو منطق الحياة، ومع حدوث كل موجة تنفتح أمام المجتمعات الانسانية آفاق ليس لها حد، وتظل الذاكرة ملأى بخيوط الحنين لما كان.
شاعر مصر أحمد شوقي وثق واحدة من موجات التحول هي ظهور الصحف، وانتشارها على نطاق واسع، كان ذلك قبل مئة عام عندما ساعدت هذه الدلالة على انتشار العلم والمعرفة، وقلصت ظاهرة الأمية، عند ذاك المنعطف كتب شوقي قصيدته المأثورة:
«لكل زمان مضى آية/ وآية هذا الزمان الصحف، لسان البلاد ونبض العباد/ وكهف الحقوق وحرب الجنف».
ومن موجة تحول إلى آخرى، وأخرى، ولدت تقنية «الذكاء الاصطناعي» لتشكل آية هذا الزمان التي شهد العقد الأخير نموها على نحو متسارع، حتى أوشكت اليوم أن تتحول الى خطر وجودي على البشرية حيث يتوقع بعض العلماء أن تغير من التطور البيولوجي للبشر وللكائنات الحية عبر أدوات الهندسة الوراثية الموجهة عبر الأنظمة الرقمية والخوارزميات، وقد تتجاوز نفسها لدرجة أن تتفوق حتى على العاملين فيها وعلى منظميها، وها نحن نواجه تحديا كبيرا يضعنا أمام حقائق جديدة حيث قد تعمل هذه التقنية على تهميش شريحة واسعة من سكان العالم، وربما ينهار نسيج المجتمعات، وتختفي ميزة التعاطف، وقد تتخذ قرارات لاانسانية نيابة عنا، وقد تبلور ظهور فيروسات تؤدي الى هلاك الملايين من البشر، وتكون أسلحة الحروب ذاتية التشغيل، وتتم قرارات خوض الحروب دون استشارة بشرية، وتخرج الأسلحة النووية عن السيطرة.
على الضفة الأخرى، هناك من لا يتفق مع هذا التقييم السوداوي مشيرين الى أن هذه التقنية مهيأة لتسريع وتيرة المعرفة البشرية بشكل غير مسبوق، وسيتم العمل على دمج هذه التقنية بجميع مناهج الدراسة حيث سيكون إتقان هذه المادة ضروريا مثل ضرورة القراءة والكتابة، وتوقع التريليونير الأميركي وخبير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي إيلون ماسك أن تصبح هذه التقنية جزءا أساسيا من حياة الناس اليومية خلال عامين، وأن يقود التطور في مجال الروبوتات الى ما وصفه ب»عصر الوفرة» حيث تتغير فيه طبيعة الأعمال، مع دخل مرتفع، ورعاية صحية للجميع، وان يكون العمل اختياريا.
وأخير ما استجد دخول هذه التقنية حلبة السياسة من أوسع أبوابها، وحضورها على طاولات أصحاب القرار في عواصم العالم، الرئيس الأميركي دونالد ترامب أسس «قوة الذكاء الفائق» على غرار قوة الفضاء، كما جمع قادة شركات التكنولوجيا لتوقيع اتفاق بتطوير أنظمة رقابة داخلية وحماية، وفي فرنسا اعتبر الرئيس ايمانويل ماكرون الذكاء الاصطناعي أولوية وطنية، وقرر ضخ استثمارات في هذا القطاع بلغت ما يقرب من 800 مليار يورو، وفي بريطانيا أدار الملك تشارلز الثالث اجتماعا لأباطرة الذكاء الاصطناعي لتدارس إمكانيات الذكاء الاصطناعي مع ضمان تحكم الإنسان بمخرجاته فيما أعرب اندي بيرنهام رئيس الوزراء عن استعداد بلاده لقيادة جهد دولي لوضع معايير وقواعد لشؤون الذكاء الاصطناعي، وفي روسيا أنشأ الرئيس فلاديمير بوتين قوة وطنية للإشراف على نماذج الذكاء الاصطناعي، وحذر من احتمال أن تسبب هذه التقنية زيادة مخاطر التدمير الشامل، أما الصين فقد أنشأت المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي في تحد واضح للهيمنة الاميركية على هذا القطاع، وقد أصبحت أول دولة تعنى بتطبيقات وبرامج محاكاة التفاعل البشري وتقديم الدعم العاطفي والنفسي لمن يحتاجه.
أما على الصعيد العربي فباستثناء السعودية التي أنشأت الهيئة السعودية للذكاء الاصطناعي وانضمت كأول دولة عربية للشراكة العالمية للذكاء الاصطناعي فان بقية الدول العربية لا زالت تفتقر الى ايلاء موضوعة الذكاء الاصطناعي مزيدا من الاهتمام والرعاية بوضع الخطط اللازمة، وإطلاق المشاريع، وتخصيص الاستثمارات المطلوبة.
وبهذه المعاني جميعها سيكون مطلوبا من كل الحكومات العربية أن تتفاعل مع تقنية الذكاء الاصطناعي في أطوارها المحتملة، وبغير هذا الأفق لن نكون، كعرب، موعودين بغير التراجع والانكفاء، ومن يرفض التعامل مع الذكاء الاصطناعي سيكون محكوما عليه بالتخلف عن الركب.