الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الفرص والتحدّيات.. الذكاء الإصطناعي والإفلاس المائي العالمي

← بواسطة azzaman

الفرص والتحدّيات.. الذكاء الإصطناعي والإفلاس المائي العالمي

سرمد دشتي لطيف

 

الإفلاس المائي: واقع ما بعد الأزمة

لم تعد مفاهيم مثل «الإجهاد المائي» و»الأزمة المائية» كافية لوصف التدهور الهيكلي الذي تعاني منه بعض الأنظمة المائية، مما أدى إلى ظهور مفهوم «الإفلاس المائي». ويشير هذا المفهوم إلى تجاوز النظام المائي مرحلة الندرة المؤقتة إلى حالة من العجز المستمر وتراجع القدرة على التعافي، نتيجة استنزاف الموارد بمعدلات تفوق قدرتها على التجدد، وما يترتب على ذلك من أضرار للمياه الجوفية والتربة والأنهار والأنظمة البيئية.

وتزداد خطورة المشكلة عندما يتعلق الاستنزاف بمخزونات مائية تكونت عبر حقب زمنية طويلة، مثل المياه الجوفية العميقة والأنهار الجليدية، إذ قد لا تكفي إجراءات خفض الاستهلاك لاستعادة الوضع السابق. وتؤكد مؤشرات مثل استنزاف المياه الجوفية وتراجع المسطحات المائية وانحسار الجليد وهبوط سطح الأرض تصاعد الضغوط على الموارد المائية.

لذلك، تتطلب إدارة المياه الانتقال من الاستجابة للأزمات قصيرة الأجل إلى تقييم التغيرات الهيكلية في الموارد وقدرتها على الاستمرار. وفي هذا السياق، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدعم رصد الموارد والتنبؤ بالتغيرات وتحسين توزيع المياه، مع ضرورة استخدامه ضمن إطار حوكمة يراعي الحدود الفيزيائية للنظم المائية.

2- تشخيص الإفلاس المائي: من الرصد المرحلي إلى التقويم الهيكلي

يتمثل أحد أبرز التحديات في التمييز بين الصدمات الهيدرولوجية المؤقتة والتدهور الهيكلي طويل الأمد، مما يتطلب متابعة تغير المخزون المائي ووظائف النظم البيئية. وتوفر تقنيات الاستشعار عن بعد، مثل GRACE وGRACE-FO وLandsat وSentinel، بيانات مهمة لرصد التغيرات في المياه الجوفية ورطوبة التربة ومساحات البحيرات والأراضي الرطبة.

ويسهم الذكاء الاصطناعي في دمج هذه البيانات والكشف عن العلاقات المعقدة بين العوامل المناخية والبشرية والهيدرولوجية، فضلًا عن تحسين التنبؤ وإدارة الموارد المائية. ومع ذلك، تعتمد دقة نتائجه على جودة البيانات والنماذج، مع ضرورة التمييز بين تأثيرات تغير المناخ والأنشطة البشرية.

التنبؤ بالجفاف

لذلك، ينبغي توظيف الذكاء الاصطناعي ليس فقط للتنبؤ بالجفاف، بل أيضًا لتقييم الحالة طويلة الأجل للمياه، من خلال مؤشرات تقيس التغيرات الهيكلية وقدرة النظم على التعافي.

3 - إدارة الإفلاس المائي: إعادة توجيه أنظمة دعم القرار

عندما يفقد النظام المائي جزءاً كبيراً من قدرته على التعافي، فإن أهداف الحوكمة تحتاج إلى التحول من محاولة استعادة الوضع التاريخي بأي ثمن إلى التكيف المدار مع القيود الجديدة.

وفي هذا السياق، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدعم التحسين متعدد الأهداف في ظل ميزانيات مائية مقيدة، ونمذجة السيناريوهات المستقبلية، وإدارة الطلب، وإعادة تخصيص الموارد، وحماية الاستخدامات البيئية ذات الأولوية. كما يمكن استخدامه في أنظمة الإدارة التكيفية التي تحدث توصياتها مع تغير الظروف الهيدرولوجية والمناخية.

وفي الأحواض العابرة للحدود، يمكن للنماذج القائمة على البيانات أن توفر تقديرات مستقلة لتطور العرض والطلب المائيين، وأن تساعد الأطراف المختلفة على تقويم السيناريوهات المستقبلية. غير أن هذه الأدوات لا تحل تلقائياً الخلافات السياسية والمؤسسية، فالبيانات والنماذج يمكن أن تدعم الحوار، لكنها لا تستبدل التفاوض أو الاتفاقات اللازمة لإدارة الموارد المشتركة.

وتبرز هنا أهمية الافتراضات التي تقوم عليها النماذج. فإذا استهدفت خوارزميات التحسين خط أساس تاريخياً لم يعد قابلاً للتحقيق، فقد تنتج حلولاً تبدو مثلى رياضياً لكنها غير واقعية هيدرولوجياً. لذلك، ينبغي أن تعكس دوال الهدف وبيانات التدريب مسارات التدهور والتكيف الممكنة، بدل افتراض العودة التلقائية إلى حالة ماضية.

4- الذكاء الاصطناعي بوصفه مستهلكاً للمياه

لا تقتصر العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والمياه على دور الذكاء الاصطناعي في تحسين إدارة الموارد، فالقطاع نفسه يمتلك بصمة مائية متزايدة عبر سلسلة القيمة، بدءاً من مراكز البيانات وتوليد الكهرباء، وصولاً إلى تصنيع أشباه الموصلات والأجهزة الحاسوبية.

ويستهلك تشغيل مراكز البيانات المياه بصورة مباشرة وغير مباشرة. فالمياه تستخدم في بعض أنظمة التبريد، كما ترتبط كميات إضافية من المياه بإنتاج الكهرباء التي تحتاج إليها هذه المراكز. كذلك يتطلب تصنيع أشباه الموصلات كميات كبيرة من المياه فائقة النقاء خلال مراحل مختلفة من عملية الإنتاج.

وتكتسب هذه البصمة أهمية خاصة عندما تتركز البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في مناطق تعاني أصلاً من الإجهاد المائي. ففي مثل هذه الحالات، قد تتنافس مراكز البيانات مع الاستخدامات الزراعية والمنزلية والبيئية على الموارد نفسها، بما يخلق مفاضلات ينبغي أخذها في الاعتبار عند التخطيط للبنية التحتية ومنح التراخيص.

ومن هنا ينشأ تناقض مهم: فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة لتحسين إدارة الإفلاس المائي، لكنه قد يسهم في الوقت ذاته في زيادة الضغط على الموارد المائية. ولا يعني ذلك ضرورة رفض استخدام الذكاء الاصطناعي، بل يستدعي إدخال تكلفته المائية بصورة صريحة في عملية صنع القرار.

إطاراً الحوكمة

5 - أولويات السياسة العامة والحوكمة

يتطلب الاستخدام المستدام للذكاء الاصطناعي في قطاع المياه إطاراً للحوكمة يوازن بين الفوائد التقنية والتكاليف المادية. ويمكن تحديد ثلاث أولويات رئيسة:

أولاً: مواءمة تصميم أدوات الذكاء الاصطناعي مع واقع القيود المائية

ثانياً: اعتماد محاسبة شاملة للبصمة المائية للذكاء الاصطناعي

ثالثاً: توجيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي نحو المناطق الأكثر احتياجاً

6- الخاتمة

يفرض مفهوم الإفلاس المائي تحولاً في طريقة التفكير في إدارة الموارد المائية: فالمسألة لا تتعلق فقط بحجم العجز الحالي، بل أيضاً بمدى قدرة النظام على التعافي والمحافظة على وظائفه الأساس مستقبلاً.

ويوفر الذكاء الاصطناعي إمكانات مهمة لتشخيص التدهور الهيدرولوجي، وتحسين تخصيص الموارد، ودعم الإدارة التكيفية، وتحليل السيناريوهات المستقبلية. إلا أن هذه الإمكانات لا تخلو من قيود، كما أن البنية التحتية التي يعتمد عليها الذكاء الاصطناعي تفرض بدورها تكاليف مائية وبيئية متزايدة.

وعليه، فإن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الإفلاس المائي لا تتحدد بقدرته على إنتاج تنبؤات أكثر دقة فحسب، بل بمدى اندماجه في إطار حوكمة تعترف بالحدود الفيزيائية للموارد، وتحاسب بصورة شفافة عن تكاليف التكنولوجيا، وتوجه القرارات نحو التكيف مع التغيرات التي لم تعد قابلة للعكس.

إن إدارة الإفلاس المائي تتطلب، في نهاية المطاف، الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة رأس المال الطبيعي على المدى الطويل. وفي هذا الانتقال يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة مهمة، شريطة ألا ينظر إليه بوصفه بديلاً عن الحوكمة الرشيدة، بل كوسيلة لدعمها وتعزيز قدرتها على اتخاذ قرارات تستند إلى الأدلة والقيود الواقعية للنظم المائية.

• ملاحظة:

الموضوع خلاصة بحث نشره الباحث بالتعاون مع كاوه مدني ومير متين، من معهد جامعة الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة (UNU-INWEH)، في مجلة World Water Policy (WWP) في 14/9/2026.


مشاهدات 16
الكاتب سرمد دشتي لطيف
أضيف 2026/09/30 - 2:57 PM
آخر تحديث 2026/10/01 - 12:40 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 71 الشهر 71 الكلي 16585240
الوقت الآن
الخميس 2026/10/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير