الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مُدَوَّرَةُ الحُلْمِ فِي مِعْرَاجِهِ


مُدَوَّرَةُ الحُلْمِ فِي مِعْرَاجِهِ

عبد المنعم حمندي

 

( ​هَذِهِ المُدَوَّرَةُ هِيَ مَرْثِيَةُ جِيلٍ خَائِبٍ تَهَشَّمَتْ كُبْرَيَاتُ أَحْلاَمِهِ بَعْدَ أَنْ احْتَرَقَ بِالشِّعَارَاتِ وَالحُرُوبِ؛ نَصٌّ لاَ يَسْتَسْلِمُ لِلْفَنَاءِ، بَلْ يُحَوِّلَ الجُرْحَ إِلَى قِيَامَةِ نَهْرٍ متشبث بالحلم، لاَ يَكُفُّ عَن الصُّعُودِ.)

.....

​الفَجْرُ تَحْضُنُهُ الشَّوَارِعُ، وَالحَمَامُ يُلاَعِبُ الحُلْمَ البَرِيءَ، فَيُعْجَبُ الفِتْيَانُ بِالبُسْتَانِ نَافِذَةً عَلَى أَشْجَارِهَا، نَلْهُو وَقَدْ شَرِبَتْ سَنَا الأَحْلَامِ مِنْ نَهْرٍ يَخُطُّ عَلَى التُّرَابِ بُيُوتَنَا، وَنَسِيرُ كَالأَطْيَارِ.. لاَ خَوْفٌ يُبَعْثِرُنَا وَلاَ ذُعْرُ الدُّجَى! صَبَوَاتُنَا ضَحِكٌ يُطَرِّزُهُ النَّدَى، وَرَغِيفُ أُمِّي فِي الصَّبَاحِ.. تُمِيطُ عَنْهُ خِمَارَهُ لِيُدَافَ بَرْدُ الصُّبْحِ فِي كَفَّيْنِ بالتصفيق يَحْتَرِقَانِ مَعَ النَّشِيدِ المَدْرَسِيِّ.

​كَانَتْ صَباحَاتُ المَدِينَةِ فِضَّةً.. فِيهَا زَرَعْنَا الآسَ وَالنَّعْنَاعَ، وَالأَمَلَ المُحَلِّقَ بِالرُّؤُوسِ، وَتَنَفَّسَ الزَّمَنُ الجَمِيلُ رَحِيقَنَا.

​وَيَمُرُّ دِجْلَةُ فِي الوُجُودِ كَأَنَّهُ أُفُقٌ يَسِيرُ مَعَ الرِّيَاحِ، يَبَزُّ قَلْبَ العَاشِقِينَ، يَقْسِمُ الرُّوحَ الَّتِي ارْتَجَفَتْ إِلَى نِصْفَيْنِ: كَرْخٌ يَرْتَدِي شَفَقَ الصُّعُودِ.. وَرُصَافَةٌ تَغْفُو عَلَى المَاءِ المُطَرَّزِ بِاليَقِينِ!

​سَيْفٌ مِنَ المَاءِ الشَّفِيفِ، يَشُقُّ قَلْبَ صَبَابَةٍ.. وَيُعَلِّمُ الفِتْيَانَ مَعْنَى أَنْ تُحِبَّ شُجَيْرَةَ التِّينِ وَتَسْقِيَهَا لِيَنْمُوَ الوَجْدُ بَيْنَ ضَفِيرَتَيْنِ مِنَ الغُصُونِ اليَافِعَاتِ! كُنَّا نُعَرِّجُ فِي الخَيَالِ وَفِي المَدَى مُتَتَبِّعِينَ مَسَاقِطَ الضَّوْءِ البَعِيدِ.. تِلْكَ الشُّجَيْرَةُ أَوْرَقَتْ وَتَسَامَقَتْ، وَالنَّهْرُ يَجْرِي تَحْتَنَا.. يَرْغُو عَلَى غَضَبٍ يَثُورُ، وَنَحْنُ نَرْغُو حَوْلَهُ مُتَلَهِّفِينَ إِلَى القَرَاحِ، فَكُلُّ جِسْرٍ حِينَ يَعْبُرُهُ الهَوَى.. يَغْدُو ابْتِهَالاً، أَوْ صَلاَةً لِلَّذِينَ تَشَرَّدُوا فِي غَيْمَةِ المَعْنَى.. وَعَادُوا حَالِمِينَ.

​هُوَ لَيْسَ نَهْراً مِنْ مِيَاهٍ.. إِنَّهُ شِرْيَانُ خُلْدٍ، يَكْتُبُ المَأْسَاةَ وَالأَمَلَ المُذَهَّبَ بِالشِّعَارَاتِ الجَمِيلَةِ، بِالبَرِيقِ مِنْ بَيَانِ الفِتْيَةِ السُّعَدَاءِ، كَيْ يَبْقَى النَّبِيذُ العَذْبُ فِي كَأْسِ الحَيَاةِ.. مُعَتَّقاً.. لِلْعَابِرِينَ.

​وَيَكْبُرُ المَجْرَى.. فَتَأْتَلِقُ الرُّؤَى وَالجِسْرُ يَفْتَحُ صَدْرَهُ لِلَّيْلِ وَالفُقَرَاءِ، كُنَّا حَائِرِينَ وَغَارِقِينَ بِأَلْفِ سُؤْلٍ أَوْ جَوَابٍ خَائِفٍ، يَلْظَى عَلَى شَفَةِ السُّؤَالِ. هَذِي الرُّصَافَةُ عِشْقُنَا وَالكَرْخُ أَسْحَارُ الهَوَى.. نَشْدُو، وَنَأْخُذُ مِنْ بَهَاءِ المَوْجِ عَهْداً.. أَنْ نَكُونَ العَاشِقِينَ. لَكِنَّ هَذَا الشَّرْقَ مَشْنَقَةٌ لِمَنْ سَكَنُوا الشُّجَيْرَةَ يَحْلُمُونَ. مَا كُلُّ مُزْدَرِعٍ ثِمَاراً نَاضِجاً، يَوْمَ القِطَافِ، فَالرُّكَامُ يَسُدُّ شِرْيَانَ الطَّرِيقِ!

​رَأَتِ العُيُونُ المَوْتَ يَمْشِي فِي الشَّوَارِعِ، وَالدُّخَانُ يَصُوعُ حَاضِرَنَا، وَيَخْنُقُ كُلَّ وَرْدٍ فِي الحَدَائِقِ.. يَا لَهَذَا الَّليْلِ كَيْفَ أَحَالَنَا ذِكْرَى تَئِنُّ؟ وَالنَّخِيلُ المُشْرَئِبُّ إِلَى السَّمَاءِ.. يَخُطُّ مَلْحَمَةَ الحَرِيقِ!

​فَتَجَشَّأَ الأَمَلُ المُمَزَّقُ نَارَهُ، وَتَفَرَّقَ النَّخْلُ عَلَى جَمْرِ المَنَافِي وَالخَرِيفِ، يُفَكِّكُ المَعْنَى، وَيُذْبَحُ فِي الحَمَامِ، النَّهْرُ يَبْكِي سُورَةَ المَاءِ وَمَنْ سَرَقَ القَوَارِبَ وَالضُّحَى. وَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يُلَمْلِمَ جُرْحَهُ وَيَشُدَّ مِنْ شَعَرِ الضَّفِيرَةِ فِي الغُصُونِ.

​كُنَّا نَحُثُّ الخَطْوَ نَحْوَ المُنْتَهَى، فَلَرُبَّمَا تَتَغَيَّرُ الأَوْهَامُ وَالرُّؤْيَا.. وَنُسْكِرُ فِي المَقَامِ. فَلاَ أَحَدٌ يُفَكِّرُ مَا اجْتَرَحْنَا فِي السَّبِيلِ إِلَى الذَّهَبِ المُصَفَّى فِي المَنَاجِمِ وَالصُّخُورِ، وَلَيْسَ ثَمَّةَ مَنْ يُحَمْلِقُ فِي الرِّمَالِ، تَكَسَّرَتْ أَرْمَاحُنَا وَنِبَالُنَا وَتَبَدَّدَتْ أَحْلَامُنَا.. فَخَلَعْتُ دِرْعِي وَاحْتَمَيْتُ بِكِبْرِيَاءِ قَصِيدَةٍ لاَذَتْ بِأَقْدَاحِ وَعُودٍ. فَالْتَمِسْ مِثْلِي تَحْتَمِ بِشُعَاعِهَا،

​وَاحَسْرَتَاهْ.. مَاتَ المُغَنُّونَ القُدَامَى فِي نَشِيدِ الاِنْفِجَارِ، وَبَقِيتُ وَحْدِي أَنْدُبُ الآتِيَ وَأَزْهَارَ السَّوَادِ مِنَ الدُّمُوعِ.

​بَغْدَادُ لَيْسَتْ حَائِطاً أَوْ مَرْقَداً.. بَغْدَادُ فِكْرَةُ كَوْنِنَا المَسْفُوكِ.. وَالأَبَدِ الَّذِي لاَ يَنْتَهِي! هِيَ حَيْرَةُ المَاءِ الَّذِي يَسْقِي الرُّمَّانَ وَمَا سِوَاهُ هُوَ الهَبَاءُ! مَرَّتْ أَبَاطِرَةُ الظَّلاَمِ، تَنَاسَخَتْ كُلُّ العُهُودِ، وَظَلَّ فِي شِرْيَانِهَا نَبْضٌ يُفَسِّرُ السِّرَّ الَّذِي قَدْ صَارَ بَاباً لِلْفَجِيعَةِ أَنْ تَكُونَ قِيَامَةً لِلْعَارِفِينَ؟! تَمْشِي عَلَى الجَسَدِ المُهَشَّمِ، دُونَ وَعْيٍ بِالسَّرَابِ، كَأَنَّهَا عَقْلٌ يُفَكِّرُ فِي الشَّظَايَا.. تَجْمَعُ الأَرْوَاحَ مِنْ نَهْرِ المَجَرَّةِ، ثُمَّ تَسْكُبُهَا شُعَاعاً فِي كُؤُوسِ العَاشِقِينَ. هِيَ لَمْ تُعَانِقْ ظِلَّهَا كَيْ تَشْتَكِي.. بَلْ كَيْ تُعَلِّمَنَا بِأَنَّ الجُرْحَ مِرْآةُ الحَقِيقَةِ.. حِينَ نَبْلُغُ فِي الرَّدَى أَقْصَى اليَقِينِ!

​فَيَا لَهَذَا العَصْفِ كَيْفَ أَحَالَنَا ذِكْرَى تُؤَبَّنُ فِي المَآذِنِ؟

​سَأَعُورُ فِي الشَّفَقِ الأَخِيرِ سَحَابَةً، تَبْكِي عَلَى شَجَرٍ سَقَيْنَاهُ الدِّمَاءَ.. هَلْ كَانَ ذَاكَ الفَجْرُ مَحْضَ خَدِيعَةٍ أَمْ أَنَّنَا كُنَّا طَعَاماً لِلْفَنَاءِ؟ خُذْنِي إِلَى الكَرْخِ الَّتِي كَانَتْ تَنَامُ عَلَى المَنَائِرِ وَالرُّؤَى.. وَاتْرُكْ لَنَا رَفَّ الحَمَامِ! مَا زَالَ فِي رِئَةِ الرُّصَافَةِ جَمْرَةٌ تَعْصِي الرِّيَاحَ!

​وُئِدَتْ بِنَا أَحْلَامُنَا، مَا ذَنْبُنَا؟ عِشْنَا المَآسِيَ كُلَّهَا، وَرَأَيْتَنَا.. نَرْعَى الرَّجَاءَ العَذْبَ فِي عَطَشِ الخُطُوبِ! مَا ذَنْبُ حُلْمٍ لَمْ يَجِدْ إِشْرَاقَهُ.. فِي لَيْلِ عَاصِفَةٍ وَغُولٍ؟ وَكَيْفَ يُذْبَحُ يَاسَمِينُ الرُّوحِ فِي رَوْعِ الذُّهُولِ؟

​وَالآنَ.. فِي الشَّيْخُوَخَةِ العَصْمَاءِ.. أَتَّكِئُ العَصَا، وَأَسِيرُ أَرْقُبُ شَاطِئَ النَّهْرِ المُعَنَّى بِالجَفَافِ، أَلْمَسُ الشَّيْبَ، أَرَى.. قَبَساً جَدِيداً يَسْتَبِدُّ بِظُلْمَةِ الجُرْحِ العَمِيقِ، سَأَلُمُّ أَضْلَاعِي.. وَأَبْنِي مَا تَهَدَّمَ فِي النُّفُوسِ.. وَبِرَغْمِ صَمْتِ الرِّيحِ.. سَوْفَ نَظَلُّ نَحْلُمُ بِالضِّيَاءِ! وَيَظَلُّ هَذَا الحُلْمُ فِي مِعْرَاجِهِ وَالنَّهْرُ يَحْلُمُ بِالصُّعُودِ..!!

.....

 


مشاهدات 39
الكاتب عبد المنعم حمندي
أضيف 2026/10/06 - 3:11 PM
آخر تحديث 2026/10/07 - 1:07 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 124 الشهر 10596 الكلي 16595765
الوقت الآن
الأربعاء 2026/10/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير