الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عقول صغارنا في مكان آخر

← بواسطة azzaman

عقول صغارنا في مكان آخر

اميمة ابراهيم السامرائي

 

قبل ايام، اختفى طفلان من أبناء الجيران أحدهما في السادسة والآخر في الخامسة, وهرع الجميع يبحث عنهما بهلع .. أهل، وجيران، وقلوب تركض هنا وهناك تجوب الشوارع تبحث تتساءل.. ساعتان ونصف من الخوف حيث الأفكار السوداء تعصف بالوالدين, ثم .. بعد ساعتان ونصف وجدوهما, اين ؟ في حي اخر, وعندها فقط عرفنا الحكاية. لم يضيَعا الطريق، ولم يتبعا غريبا صادفاه في الشارع، ولم يسرقهما احدا, ببساطة كانا يعرفان تماما ما يريدان: شاهدا عبر الهاتف أحد مشاهير المنصات وهو يوزع بعض الهدايا في حي قريب فقررا (بمنطق طفولي شديد البراءة وشديد الخطورة في الوقت نفسه)، أن يخرجا للبحث عنه.

 ساعتان ونصف وهما يجوبان الشوارع بجرأة وإصرار لا يناسبان طفلا في الخامسة أو السادسة. لا خوف من الطريق، ولا اشتياق إلى أم أو أب، ولا جوع أعادهما إلى البيت. كان لديهما هدف واضح… ومضيا خلفه.

قد تبدو الحادثة طريفة للوهلة الأولى, وربما ضحك بعضنا حين سمعها، وتخيل طفلين صغيرين يمشيان بثقة في الشارع وكأنهما في مهمة رسمية. لكنني كأم لم أستطع أن أضحك على الحكاية بل كان قلبي يخفق بقوة وانا افكر بمشاعر امهما في تلك الساعات. فدفعتني مخاوفي إلى ان أمسك القلم وأسأل: كيف استطاعت شاشة صغيرة أن تجعل طفلا في الخامسة يغادر أكثر الأماكن أمانا في حياته ليخوض الشوارع مطمئنا وراء شخص لم يلتق به قط؟

نافذة واسعة

في الحقيقة, لم يعد الهاتف في أيدي أطفالنا مجرد لعبة صغيرة نستعين بها حتى يأكل الطفل وجبته بهدوء، أو يسكت قليلا بينما ننهي أعمالنا, بل تحول( من دون أن نشعر) إلى نافذة واسعة جدا يدخل منها كل شيء: اللغة، والسلوك، والذوق، والخوف، والضحك، والأحلام، وحتى الأشخاص الذين يختار الطفل أن يحبهم ويقلدهم. نحن نقول لأطفالنا لا تخرجوا مع الغرباء، ثم نتركهم ساعات أمام غرباء يدخلون بيوتنا يوميا، يضحكون معهم، يحدثونهم، ويصبحون بالتكرار مألوفين إلى الحد الذي قد يدفع طفلا إلى البحث عن أحدهم في الواقع, ثم نسأل بدهشة من أين جاء هذا السلوك؟

الحمد لله أن المغامرة انتهت بسلام, لكن السؤال الذي بقي معي , إذا استطاعت الشاشة اليوم أن تقودهما إلى شارع بعيد… فإلى أين ستقود هذا الجيل بعد عشر سنوات؟ ماذا سيطارده عندما يكبر؟ ترندا؟ شهرة؟ بلوغر لا يعرفه؟ وكم سيبتعد عن بيته هذه المرة؟؟!!

ثم إن القضية أعمق من مغامرة طفلين, فأي إنسان نصنع حين يكبر طفل وهو معتاد على أن تُقاس قيمة الأشياء بعدد المشاهدات وأن الشهرة مرادف للأهمية وأن كل لحظة تستحق أن تُصوَّر ونتشاركها مع الاخرين, وكل موقف يمكن تحويله إلى محتوى؟ ماذا يحدث لخياله حين تقدّم له الشاشة الصور جاهزة؟ وماذا يحدث لصبره حين يتعلم منذ طفولته أن كل ما لا يعجبه يمكن التخلص منه بحركة إصبع واحدة إلى الأعلى؟ وكيف ستكون علاقاته بالآخرين وهو الذي اعتاد مقاطع الريلز: سريعة، ممتعة، وقابلة للتجاوز؟

  هذه ليست أسئلة متشائمة، ولا دعوة إلى محاكمة التكنولوجيا, إنها فقط أسئلة تأخرنا كثيرا (على ما يبدو) في طرحها. الأجيال القادمة لن تكون أقل ذكاء منا وربما ستكون أذكى بكثير في التعامل مع التكنولوجيا، لكنها قد تحتاج إلى جهد أكبر كي تتعلم أشياء كانت تأتي إلينا بصورة طبيعية. كل مساء نطمئن لأن أطفالنا أمام أعيننا، جالسين في البيت، فنحسبهم بأمان… بينما الحقيقة أن عقول أطفالنا قد تغادر البيت كل يوم من دون أن يعلن أحد أنها مفقودة.


مشاهدات 19
الكاتب اميمة ابراهيم السامرائي
أضيف 2026/10/06 - 2:56 PM
آخر تحديث 2026/10/07 - 12:54 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 112 الشهر 10584 الكلي 16595753
الوقت الآن
الأربعاء 2026/10/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير