شيزوفرينيا مجتمعية حادّة
عباس الصباغ
لست في هذا المقال بصدد الشيزوفرينيا التي نوّه عنها استاذنا العلاّمة علي الوردي رحمه الله والتي أشار فيها الى ظاهرة الشيزوفرينيا التي يختص بها الفرد العراقي ـ دون خلق الله تعالى ـ وتصل الى درجة النفاق بحسب رأيه مما جلب عليه سخط وانتقاد الكثيرين ومن جميع الجهات والصحيح ان الشخصية الإنسانية فيها جانب كبير غير مرئي من الشيزوفرينيا وحسب الحالات الاجتماعية التي يعيش فيها الانسان ، والفرد العراقي ليس شاذا عن بقية الشعوب وهي ظاهرة تتعلق بجميع البشر الذين هم ليسوا ملائكة بالتأكيد .
وتظهر الشيزوفرينيا المجتمعية جلية في المجتمع العراقي لاسيما في مخرجات الاحتلال الأمريكي الغاشم 2003 ومازال المجتمع العراقي يعاني منها وتتمثل في التباين المعرفي الصارخ بين افراد هذا المجتمع أي بين شرائح مازالت تعاني من شيوع الابجدية الامية يضاف اليها الابجدية الحضارية والرقمية والوعي وبين شرائح أخرى مازالت تتكالب وتتقاتل على نيل شهادات الماجستير والدكتوراه إضافة الى شهادات البكالوريوس التي تعاني هي الأخرى من فقر معرفي وقلة كفاءة في الاختصاص وشتان مابين المستويات المعرفية بين خريجي الجامعات ولكافة مستويات الدراسة والشهادة الممنوحة وبين الوقت الراهن لهم بين الفترتين أي ماقبل 2003 وبين مابعدها أي بين الاحتلال وبعده حيث شهدت المؤسسات التعليمية والأكاديمية تراجعاً خطيراً في معايير الجودة وانخفاضاً في القيمة العلمية للشهادات
وهذا التراجع لم يؤد فقط إلى تفريغ المؤسسات من المحتوى المعرفي، بل أدى بالضرورة إلى تآكل وفقدان القيم الاخلاقية والمهنية التي يصونها التعليم الحقيقي ، في سبعينيات القرن الماضي كان العراق يمتلك نظاماً تعليمياً يُعد من أفضل الأنظمة في المنطقة، كان التعليم العالي جزءاً من مشروع الدولة لبناء قاعدة علمية وتقنية تواكب التوسع الاقتصادي، وكانت جامعات بغداد والبصرة والموصل والمستنصرية والتكنولوجية تشكل منظومة لها وزنها الإقليمي وااليوم اندثرت للاسف.
واتذكر حال الدراسة الجامعية في العراق حين كنت طالبا في جامعة بغداد ـ ابان الثمانينيات من القرن الماضي ـ والتي كانت تعد من ارقى جامعات العراق والشرق الأوسط من كل النواحي أساتذةً وطلاباً حين كان الطلاب وانا كنت منهم يتباهون بتلقي العلم والمعرفة والأخلاق على يد اساطين العلم والمعرفة وكان الأساتذة يتنافسون من اجل نيل درجة الاستاذية (البروفيسور ) واليوم تغير الحال ويسير الوضع الى الأسوأ إضافة الى تفشي الجامعات الاهلية فلم يعد الطلاب طلابا كما كانوا والأساتذة لم يعودوا أساتذة أيضا .
وصار الخريجون يتنافسون من اجل نيل شهادتي الماجستير او الدكتوراه من اجل الوجاهة الاجتماعية وفرق الراتب وهم والكثير منهم لم يتقنوا حتى تخصصاتهم الأكاديمية او بالكاد حصلوا على شهادة البكالوريوس وبحسب ظروفهم الشخصية وظروف البلد الأمنية والمالية المتعثرة.
والله المستعان .