الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ثورة المستضعفين

← بواسطة azzaman

ثورة المستضعفين

مزاحم إدريس عاشور الحمداني

 

قال الحق تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ...﴾ [القصص: 5 - 6].

تعرضت الإنسانية فيما تعرضت له في تاريخها الطويل على وجه الأرض إلى الحَطّ من قِيمَةِ الإنّسان من أفراد من بني الإنسان؛ قَسّموا الحياة إلى أقوياء وضعفاء، وأغنياء وفقراء، فتصَرف الأقوياء في حق البُسطاء والضُعفاء، وسَخّروهم لغاياتِهم ومَطامعهم، وتأتي الأديان لِتعمل على رفع الضير عن هؤلاء الذين اتّبعوا دعوة الأنبياء وعمِلوا من أجلها واستجابوا لربهم.

ويذكِّر لنا القرآن الكريم كيف وقف الأقوياء من دعوة الدعاة والأنبياء، وكيف دَعوهم بصراحة لا اْلتواء فيها أن يُبعدوا عنهم هؤلاء المستضعفين أو على الأقل أن يجعل لهم النّبي يوماً وللضعفاء والعبيد يوماً آخر.

فقالوا لمحمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ذلك عندما رأوه جالساً يوماً مع صهيب وبلال وعمار وخُباب فقالوا له: (يامحمد أرضيت بهؤلاء من قومك! أهؤلاء الذين مَنَّ الله عليهم من بيننا ! ألا تجعل لهم يوماً ولنا يوماً، فإنّا نستحي أن ترانا العرب مع هؤلاء الضَعفة والعبيد).

وتَنزل الآيات تُدمدم أهواءهم وتخطف أوهامهم تقول للنّبي عليه الصلاة والسلام: ﴿وَلَا تَطۡرُدِ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ مَا عَلَيۡكَ مِنۡ حِسَابِهِم مِّن شَيۡءٖ وَمَا مِنۡ حِسَابِكَ عَلَيۡهِم مِّن شَيۡءٖ فَتَطۡرُدَهُمۡ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ 52وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لِّيَقُولُوٓاْ أَهَٰٓؤُلَآءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنۢ بَيۡنِنَآۗ أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ 53 ﴾ [الأنعام: 52 - 53].

تلك محاولة حاولها كل الأقوياء والأغنياء مع الرسل والأنبياء، فهذا نوح عليه السلام عَيَّره قومه بأنّ أتباعهُ من المستضعفين، فقالوا له: ﴿...وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ [هود: 27].

وألحَ عليه قومه كي ينحي عنه هؤلاء الفقراء الذين آمنوا به وعَزّروه ونصروه، فما كان جوابه .. كما أخبر القرآن الكريم؛ إلا أن قال لهم: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ۚ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا ۚ إِنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ 29 وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِن طَرَدْتُهُمْ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود: 29 - 30].

لقد اصطلح النّاس في كل زمان ومكان على تمجيد أهل الثراء والحظوة، وعلى أن يَنظروا إليهم نَظرة ملؤها التوقير والاحترام، بينما ينظرون إلى أهل الخصَاصة والفقر نظرات ملؤها الرثاء والازدراء، والأديان جاءت لِتُقَوِض هذه الموازين المختلة، ولِتضع الإنّسان موضعهُ الصحيح، موضعهُ الذي اختاره له ليكون خليفتهُ: ﴿...إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً...﴾ [البقرة: 30].

وَلِيُحَقِق سيادته على الأرض، وإنّ الإنسانية بأسرِها ينبغي أن تتحرك صفاً واحداً داخل صفوف متكافئة من القدرة والسيادة والكفاية.

فلا يَتقرر مصير الإنسان بغناه وفقره ولا بقوته وضَعفه، وإنّما بجوهره وحقيقته وعمله الدائب لِخير الإنسانّية وكمالها، وَلِتحقيق سعادة البشرية (ومَن أبطأ به عمله لم يرفعه نسبه) [صحيح مسلم].

فالذين يضعون ثروتهم، والذين يضعون طاقتهم في خدمة البشرية والخير العام، هم المَثُل الأعلى والقدوة الأسنى في هذه الحياة.

أما الذين يَتَخَلَوُنَ عن تبعاتهم تجاه البشرية وخيرها فاؤلئك هم العاجزون البعيدون عن الخير سواءً كانوا أغنياء أم فقراء، ضعفاء أم أقوياء، ذلك هو ما يرفع أقدار النّاس في نظر القرآن الكريم.

إنّ كتاب الله تعالى لَيُصَحِحُ مفاهيم النّاس في معنى التفوق الحقيقي، فيقول سبحانه وتعالى: ﴿...وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: 48].

وهكذا يأمرنا الله تعالى أن نستبق إلى الخيرات، وأن نعمل الخير من أجل الفلاح والرقي والصعود إلى كل كمالٍ ميسور؛ وإلى كل رفعةٍ مأمولة، وبهذا وحده يأخذ الإنّسان فرصته العادلة في مضمار الحياة.

لقد عَمِل الإسلام على أن يُحرر الفرد من الدونية والإنحطاط، والاستغلال وأن يرتفع به: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ...﴾ [الإسراء: 70].

وعلى الإنسان ألّا يحس بالضآلة أو بأنّه هَملُ، إنّ القرآن الكريم يهتف هتافاً قُدسياً بكل حقوق الفرد المادي، وبجميع حقوق النّاس فينفخ فيهم من روحه عزةً وكرامة ويدعوهم لِيَنهضوا مرفوعي الرؤوس ويقول لهم: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139].

ويذكِّرهم سبحانه بأنّهم على موعد معهُ دائمأ فيقول: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ...﴾ [آل عمران: 152]، ويرفع أقداركم إلى أعلى غاية مَرجُوة، فيقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ...﴾ [الأنعام: 165].

ثم يرفع مستوياتهم إلى مستويات القيادة مع رسول الله الذي اختاره لرسالته والذي لا ينطق عن الهوى، بل أمره ربه ألّا لايُبرم أمراً إلّا بعد استشارة النّاس كل النّاس: ﴿...وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ...﴾ [آل عمران: 159].

هؤلاء الفقراء والبُسطاء، وهؤلاء العبيد والمستضعفين يستشيرهم رسول الله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، ليرفع أقدارهم أمام أنفسهم وَلِيَشعرهم بسيادتهم الكاملة وبأنّهم الأعلَوُن، وَلِيَمنَحهم المسؤولية الكاملة التي لا تَقل عن مسؤوليته لِيُنشىء بذلك عَالَم الخير وَالِبّر، عَالم الموازين الحقيقية التي تُمجد الإنّسان وترفع من قَدْره وتُبشر بعَالم المستضعفين الذين يقول الله فيهم: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ...﴾ [القصص: 5 - 6].

 

 


مشاهدات 25
الكاتب مزاحم إدريس عاشور الحمداني
أضيف 2026/09/27 - 2:12 PM
آخر تحديث 2026/09/28 - 2:58 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 246 الشهر 47528 الكلي 16580048
الوقت الآن
الإثنين 2026/9/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير