شوان عثمان أمين.. طبيب قلب يعالج بقسطرة العلم والقلم
ياس خضير البياتي
في الطب أطباء كثيرون يتقنون تشخيص المرض، ويبرعون في إجراء العمليات، ويقضون سنوات طويلة بين المستشفى والعيادة والمختبر. لكن هناك طبيبًا آخر لا يكتفي بأن يكون ناجحًا في مهنته؛ طبيب يرى أن المعرفة لا يجوز أن تبقى حبيسة غرفة الفحص أو قاعة العمليات، فيسعى إلى أن يحوّلها إلى كتاب، وإلى فكرة، وإلى نورٍ يتاح للآخرين.
ومن هذه الصورة يسطع اسم الدكتور شوان عثمان أمين، طبيب القلب والقسطرة المعروف، الذي جمع بين الممارسة الطبية والكتابة والتأليف، ليقدّم تجربة فريدة تستحق التأمل. فالمعلومات المنشورة عن نشاطه العلمي تؤكد أنه استشاري أمراض القلب وخبير في القسطرة، وقد شارك في مؤتمرات وفعاليات علمية تناولت أحدث التطورات في تشخيص أمراض القلب وعلاجها، وتحدث عن وظائف القلب الكهربائية، وعن القسطرة التشخيصية والعلاجية، وعن أهمية الوقاية القائمة على المعرفة.
غير أن اللافت في تجربته ليس الطبيب وحده، بل المثقف الذي يقف خلف الطبيب. ففي كتابه (الوجيز في أمراض القلب)، يكشف جانبًا من رغبته في نقل المعرفة الطبية من المتخصص إلى القارئ، حيث تتحول الكتابة الطبية إلى امتداد طبيعي لمهنة تقوم في جوهرها على المعرفة، وعلى تبسيط المعلومة، وعلى مساعدة الإنسان في فهم جسده ومرضه.
أما كتابه (مذكرات طبيب في كوردستان وألمانيا)، فيبتعد قليلًا عن الطب ليقدّم لنا سيرة حياتية وعلمية، وكيف واجه الصعوبات عندما كان طالبًا ثم طبيبًا، ليصوغ تجربة إنسانية عن الإرادة والعصامية، وعن الإنسان الذي يصنع طريقه رغم العوائق.
من سماعة الطبيب إلى صفحات الكتاب
ثمة علاقة عميقة بين الطبيب والكتاب. فالطبيب يرى الإنسان في لحظة ضعفه، والكاتب يرى الإنسان في اتساع تجربته. والطبيب يتعامل مع القلب بوصفه عضوًا ينبض داخل الجسد، بينما يستطيع الكاتب أن يرى القلب بوصفه أيضًا رمزًا للحياة والخوف والحب والأمل.
ولذلك فإن انتقال طبيب متخصص في القلب إلى عالم التأليف يحمل معنى أبعد من مجرد إصدار كتاب طبي. إنه يدل على أن التخصص لا يعني الانغلاق، وأن الطبيب يمكن أن يكون عالمًا في مجاله، وفي الوقت نفسه قارئًا ومثقفًا وكاتبًا يحمل همّ الإنسان خارج حدود التشخيص والعلاج.
وتكشف العديدة من كتبه باللغة العربية والكردية عن هذا التداخل الجميل بين المعرفة الطبية والتجربة الإنسانية؛ فإلى جانب الكتاب الطبي، يظهر عمل يتصل بتجربة الطبيب في كردستان وألمانيا، بما يوحي بأن تجربة شوان لم تكن محصورة في المعلومة الطبية المجردة، وإنما امتدت إلى الإنسان والمكان والتجربة الحياتية.
وهنا تتجلّى قيمة أخرى للكتاب الذي يكتبه الطبيب: أنه يكتب من داخل التجربة لا من خارجها؛ يكتب وهو يعيش تفاصيلها، ويستشعر نبضها، ويحوّلها إلى شهادة حيّة لا تنقل المعلومة فحسب، بل تمنحها روحًا ومعنى.
وربما كانت البيئة البيتية الثقافية التي نشأ فيها شوان هي البذرة الأولى لهذا التداخل بين الطب والفكر؛ فوالده كان خبيرًا في اللغة العربية وصاحب مكتبة عامرة بالكتب، مكتبة لم تكن مجرد رفوف وأوراق، بل فضاءً يفتح أمام الابن أبواب المعرفة ويغرس فيه شغف الكلمة. ومن تلك المكتبة خرج الطبيب مثقفًا، والابن مؤلفًا، ليصبح العلم عنده ليس مجرد اختصاص مهني، بل رسالة إنسانية تتكامل فيها سماعة الطبيب مع قلم الكاتب.
الطبيب الذي يكتب للإنسان
ربما يكون أجمل ما في تجربة د. شوان أن الطب عنده لا يبدو مجرد اختصاص مهني، بل طريقًا إلى الإنسان. فالطبيب الذي يقضي سنوات عمره وهو يرى المرضى، ويسمع مخاوفهم، ويعيش لحظات القلق والأمل والنجاة، تتراكم لديه حكايات إنسانية لا يمكن أن تختصرها الملفات الطبية.
ومن هنا يصبح الكتاب مساحة أخرى للطب؛ مساحة لا يعالج فيها الطبيب المرض، وإنما يحاول أن يضيء الوعي به. وهذا هو الفارق بين من يمارس المهنة ومن يحول المهنة إلى رسالة معرفية. فالممارسة تنتهي بانتهاء ساعات العمل، أما الكتاب فيواصل حياة صاحبه بعد أن يغادر العيادة والمستشفى.
القلب… اختصاصًا وفضاءً إنسانيًا
اختيار القلب تحديدًا يحمل دلالة رمزية جميلة. القلب هو أكثر أعضاء الجسد حضورًا في اللغة الإنسانية. نقول قلب الإنسان، وقلب المدينة، وقلب الوطن، وقلب الأم، وقلب المحب. ولذلك فإن طبيب القلب يعيش، بصورة أو بأخرى، عند نقطة التقاء العلم بالحياة.
هو يتعامل مع شريان دقيق، لكنه يعرف أن وراء هذا الشريان إنسانًا له عائلة وذكريات وأحلام وخوف من الغد. ولذلك فإن الطبيب الذي يكتب لا يكتب عن القلب بوصفه مضخة عضلية فقط؛ يستطيع أن يكتب عن الإنسان الذي يسكن خلف القلب. وهذا ينسجم مع فلسفة الطبيب الذي يؤلف الكتب: المعرفة لا قيمة لها إذا بقيت محصورة في أصحاب الاختصاص.
فالكتاب الطبي الجيد يستطيع أن يجعل المعلومة أقرب إلى الناس، وأن يمنح الطالب مرجعًا، والطبيب الشاب تجربة معرفية، والقارئ وعيًا بجسده، والمريض قدرة أكبر على فهم حالته. أما الكتاب الإنساني، فيذهب أبعد من ذلك؛ لأنه يحفظ التجربة ويمنحها معنى.
أنا وسرطان أبي
ومن أكثر كتبه اقترابًا من القلب كتابه (أنا وسرطان أبي)؛ وهو كتاب يتجاوز حدود التأليف الطبي إلى شهادة إنسانية شديدة الصدق. فيه ينقل الدكتور شوان عثمان أمين تجربته مع والده، ذلك الأب الذي كان بروفيسورًا في اللغة العربية في جامعة صلاح الدين في اربيل، والذي وجد نفسه في مواجهة مرض السرطان، فبدأت رحلة طويلة بين أربيل وتركيا وألمانيا، البلد الذي تخرّج فيه الابن طبيبًا. وفي هذه الرحلة تتغير صورة الطبيب؛ فليس أمامه مريض فحسب، بل أبٌ يحبه، وأستاذٌ يقدّره، وإنسانٌ يرى أيامه الأخيرة تقترب.
يكتب شوان عن والده بعين الطبيب، لكن بقلب الابن؛ ولذلك يأتي الكتاب محمّلًا بالحزن، من دون أن يستسلم للحزن. نراه يرافق والده في سنوات المرض، ويتابع تفاصيل العلاج والألم والرجاء، حتى لحظة الرحيل المؤلمة. لكنها ليست حكاية موت فحسب؛ إنها حكاية صبر ومقاومة وأمل، وتجربة إنسانية تختلط فيها المعرفة الطبية بالمشاعر العميقة. ومن خلال تجربة والده، يقدم شوان درسًا بليغًا لكل من يواجه السرطان: أن المرض، مهما كان قاسيًا، لا ينبغي أن يسلب الإنسان كرامته وأمله وإرادته في الحياة.
الكتاب لا يكتفي بأن يكون مرجعًا طبيًا، بل يسعى إلى أن يخلق ثقافة طبية وإنسانية جديدة، ويرسّخ حكمة تعلمها المؤلف في ألمانيا وهو يعمل في مستشفياتها: أن يكون النظام الصحي قائمًا على المصارحة مع المريض، لا على إخفاء الحقائق عنه. فالمريض، كما يرى، يجب أن يعرف مرضه وسيناريوهات العلاج والاحتمالات مهما كانت صعبة، لكي يكون مستعدًا وقويًا في مواجهة المرض. وهنا يستحضر مثلًا كرديًا يقول: عش في الدنيا، وكن حاضرًا للموت دائمًا. أما النقطة الأهم، فهي ما يؤكد عليه المؤلف: أن التعامل مع هذا النوع من الأمراض لا يقتصر على الجانب الطبي، بل يمتد إلى البعد النفسي والفكري، حيث ينعكس هذا التعامل مباشرة على الجسد والعقل معًا. ومن هنا تأتي أهمية بناء عقلية سليمة وشجاعة، لا للفرد وحده، بل للمجتمع بأسره.
ويضيف الكتاب رؤية نقدية مقارنة بين نظمنا الصحية والدول المتقدمة، مشددًا على أننا بحاجة إلى الطبيب الماهر، والطاقم الطبي الخبير، والمستشفى المجهز بأحدث الأجهزة، والمريض الواعي المثقف.
طبيب وكاتب… صورتان لشخص واحد ليس المطلوب من الطبيب أن يكون كاتبًا، كما ليس مطلوبًا من الكاتب أن يكون طبيبًا. لكن حين تجتمع المهنتان في شخص واحد، يمكن أن تولد منهما تجربة مختلفة. وشوان عثمان أمين لا يكتب رغم كونه طبيبًا؛ بل يكتب لأنه طبيب.
فالسنوات التي قضاها في الطب والقلب والقسطرة ليست منفصلة عن تجربته الكتابية، وإنما هي المادة الخام التي تمنح الكتاب صدقه وحرارته. وفي زمن أصبحت فيه المعلومة الطبية متاحة على شاشات الهواتف، تزداد الحاجة إلى الطبيب الذي يعرف كيف يميز بين المعرفة العلمية الدقيقة وبين الكلام المتداول، وكيف يقدم للقارئ معلومة مسؤولة ومفهومة.
ولهذا فإن تجربة الطبيب المؤلف تستحق الاحتفاء؛ لأنها تقول لنا إن الطبيب يمكن أن يحمل سماعة في يده وقلمًا في يده الأخرى، وأن يعالج الجسد في المستشفى، ويخاطب العقل والوعي من خلال الكتاب.
وفي النهاية، تبقى أجمل صورة للطبيب ليست تلك التي نراه فيها أمام أجهزة القسطرة أو في غرفة الفحص فحسب، بل تلك التي نراه فيها وهو يحاول أن يترك وراءه معرفةً نافعة وأثرًا خالدًا. فالمريض الذي شُفي يعود إلى حياته، والمحاضرة تنتهي بانتهاء وقتها، أما الكتاب فيظل حيًّا، حاضرًا في كل عقلٍ فتح صفحاته، وفي كل قارئٍ وجد فيه معلومةً تنفعه، أو تجربةً تلهمه، أو فكرةً توسّع رؤيته للإنسان والطب والحياة.
وهكذا تتحول مهنة الطب من مجرد علاجٍ للمرض إلى رسالةٍ للمعرفة، ويتحوّل الطبيب من صاحب اختصاص إلى صاحب أثر، ومن معالجٍ للجسد إلى مؤرخٍ للروح، يكتب ليبقى، ويترك في القلوب والعقول ما هو أبقى من الشفاء: الحكمة، والوعي، والأمل.