الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ملك الموت في مصرف الرافدين

← بواسطة azzaman

فم مفتوح .. فم مغلق

ملك الموت في مصرف الرافدين

زيد الحلي

 

لا يزال المواطنون، ولاسيما كبار السن، يشعرون بالامتعاض من كلام صدر قبل أسابيع على لسان طبيبة أسنان، وانتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، ومفاده أنه « لا فائدة من علاج أسنان كبار السن، كونهم على أبواب الرحيل من الدنيا»! ومؤخراً علمنا ما هو أمرّ من كلام تلك الطبيبة، إذ شاع بين كبار السن أن من يتقدم منهم للحصول على سلفة من مصرف الرافدين عن طريق «الكي كارد» قد يفاجأ بعبارة: «غير مشمول بسبب أن العمر أكبر من الحد المسموح».

عجيب أمر من نصب نفسه «ملكاً للموت» في مصرف الرافدين، وكأنه يعرف أعمار الناس وآجالهم، ويزعم ضمنا أن عمره أطول من عمر المقترض، وأن المواطنين الذين تكللت رؤوسهم ببياض السنين باتوا على مقربة من مغادرة الحياة، فتضيع السلفة مع تلك المغادرة! وكأن المواطن حين يتقدم في العمر يفقد حقه في أن يقترض من مؤسسة من مؤسسات دولته.

لقد نسي من بيدهم الأمر أن كبار السن، شأنهم شأن بقية عباد الله، لهم احتياجاتهم والتزاماتهم، بل ربما تكون حاجتهم إلى المال أشد إلحاحا في هذه المرحلة من العمر، فهناك مصاريف العلاج، وسداد بعض الديون، ومساعدة الأبناء والأحفاد في الجامعات والمراحل الدراسية الأخرى، فضلاً عن مواجهة أعباء المعيشة والتضخم الذي أخذ يدق الأبواب بقوة.

ولست هنا ضد أن تضع المصارف ضوابط تحمي أموالها وتضمن استرداد القروض والسلف، فهذا حقها وواجبها، لكن السؤال: هل يكون العمر وحده حكماً قاطعاً؟ وهل تعجز مؤسسة مصرفية كبيرة عن إيجاد ضمانات وبدائل ائتمانية عادلة، تراعي المخاطر من جهة، وتحفظ لكبار السن حقهم وكرامتهم من جهة أخرى؟

إن مثل هذه القيود، حين تُطبق بلا بدائل مرنة، يمكن أن تترك اثاراً نفسية قاسية لدى كبار السن، وفي مقدمتها الشعور بالإقصاء والتهميش وفقدان القيمة الاعتبارية. فالمسن قد يشعر بأن المجتمع ومؤسساته الاقتصادية والمالية باتت تنظر إليه وكأن «صلاحيته انتهت» بمجرد وصوله إلى سن معينة، فيضطر إلى الاعتماد مالياً على الأبناء أو الأقارب، بما قد يخدش شعوره بالاستقلالية والكرامة التي حافظ عليها طوال حياته العملية.

ومن المنطقي أن نطالب بقرار أكثر إنصافاً، يؤكد أن لكل فرد مكانته التي يستحقها، وأن رعاية كبار السن ليست مجرد التزام أخلاقي، بل رسالة تحمل في طياتها تقديراً عميقاً للتاريخ والإنسان، فحين تضع الدولة هذا المنطق في مقدمة أولوياتها، فإنها ترسم صورة مضيئة لمجتمع لا ينسى جذوره، ولا يغفل عن رد الجميل لمن أسهموا في بناء ماضيه وحاضره.

وأزيد من القول مطالباً بمنح كبار السن امتيازات خاصة في المرافق والخدمات العامة والترفيهية والسياحية، وتوفير الخدمات المساندة لهم، وإيجاد التخفيضات المناسبة التي تشجعهم على قضاء أوقاتهم بطريقة مريحة ومثمرة، ومنحهم ما يستحقونه من تمييز إيجابي بعد سنوات طويلة من العمل والعطاء.

فنحن لا نريد من مؤسساتنا أن تسأل كبير السن، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة: كم بقي لك من العمر؟ بل نريدها أن تسأله: كيف نستطيع أن نجعل ما بقي من عمرك أكثر أمناً وكرامة وطمأنينة؟

فالعمر ليس تاريخ انتهاء صلاحية، والشيب ليس إشعاراً بقرب الرحيل، ولا أحد ، في مصرف أو خارجه ، يحمل مفاتيح الغيب، أو يعرف متى تطوى الصفحة الأخيرة من كتاب العمر.

وإذا كان لا بد من حسابات للمخاطر في دفاتر المصارف، فلتكن حسابات مالية عادلة، لا حسابات لأعمار الناس وآجالهم... فتلك حسابات لا يملكها إلا الله.

Z_alhilly@yahoo.com

 


مشاهدات 23
الكاتب زيد الحلي
أضيف 2026/09/26 - 1:07 PM
آخر تحديث 2026/09/27 - 1:07 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 86 الشهر 45604 الكلي 16578124
الوقت الآن
الأحد 2026/9/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير