الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
سيمياء الموت في قصيدة بائعة البخور للشاعر حسن سالم الدباغ


سيمياء الموت في قصيدة بائعة البخور للشاعر حسن سالم الدباغ

بشار ساجت لطيف

 

بائعة البخور قصيدة للشاعر حسن سالم الدباغ من ديوانه "مثلي لا يكتفي القمر بنجمته" الصادر عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق عام 2022.

تدخل قصيدة (بائعة البخور) من باب هادئ. مئذنتان كتلكما اللتان تجاوران بيت حسن الدباغ، ترنيمة تنساب على مهل تناغي القلوب الموجوعة. فجر يتشكل ببطء. يهيأ حسن الدباغ القارئ لصباح يشبه الصلوات سكينة واطمئنانا. "بين مئذنتين، تنساب ترنيمة الله." بعد أسطر قليلة يتغير كل شيء. البخور يجاور العبوة، والبياض يحمل الموت في داخله، والفجر يفتح أبوابه على جنازة جديدة.

يشتغل عنوان القصيدة كعتبة سيميائية تحمل تناقضها الداخلي منذ البداية. ففي الذوق الشعبي العراقي يكون البخور دالٌّ على البركة والحماية من العين والنحس، وهو ما تستحضره القصيدة في مطلعها عبر ( التمتمات النبية ) و( بسملة الفجر ) غير أن النص سرعان ما يفكك هذه الدلالة الطمأنينية عبر تركيب لغوي صادم ( البياض المفخخ ) هنا يلتقي حقلان دلاليان متناقضان تماماً بياض الطهارة الدينية وبياض المتفجرات في تركيب واحد، بحيث يصبح المدلول الديني (البياض كطهر) حاملاً في ذاته للمدلول التدميري (البياض كمتفجر). هذا الجمع بين الحقلين يكشف عن عملية تفكيك سيميائي متعمدة، تتجاوز وظيفة الاستعارة الزخرفية إلى إعادة بناء الدلالة من أساسها: الرمز الديني يُفرَّغ من طمأنينته ويُعاد شحنه بدلالة العنف. يفتتح الشاعر قصيدته بقوله:

بين مئذنتين
ترنيمة الله تنساب
لم تصل الفتاة
واكتفت بالبياض

يحمل هذا المشهد كثافة رمزية لافتة. المئذنة علامة الأمان ومحطة تذيع ما يريح القلوب, والترنيمة طمأنينة أخرى كما البياض علامة النقاء. ثم تأتي كلمة (اكتفت) لتمنح البياض معنى آخر. البياض صار مأوى أخيرا وساترا بإشارة واضحة للكفن. كلمة واحدة نقلت اللون من دلالته البصرية إلى فضائه الوجودي.ثم تأتي العبارة الأكثر إدهاشا في القصيدة:(البياض المفخخ)

ليجاور الشاعر بين مفردتين تنتميان إلى عالمين متباعدين. البياض بوصفه علامة على النقاء والسكينة ، والتفخيخ الذي لا يجلب غير الدمار والخراب. يقحم الدباغ هذا التركيب ليبرهن لنا ان للخوف قدرة على ارباك المعاني ورسم صور جديدة لدلالة الألوان. يواصل الدباغ بناء هذا العالم بقوله:

يقيم العراق
سرادق أبنائه الميتين.

يعمد الدباغ إلى تحويل العراق إلى مضيف كبير للعزاء. حيث ان الفعل (يقيم) يحمل معنى الاستمرار وكأن السرادق أصبحت جزءا من هوية المكان. تتكرر المأساة حتى تغدو طقسا يوميا. وتبقى زهراء محور القصيدة. اسم يحمل عبق الطفولة والطهر، ثم يحمل مئاسي الفقد والامه. تتحرك بين البخور والفجر والرصيف والعبوة. تارة نراها طفلة، وتارة أما، وتارة صورة للعراق كله. لهذا يقول الشاعر:

زهراء طفلتنا
أمنا قلت
زهراء أمي التي قتلت.

يتسع الاسم حتى يضم أكثر من جيل. الطفلة تصبح أما، والأم تعود طفلة في ذاكرة الفقد. هذا التحول يمنح الشخصية بعدا رمزيا واسعا.وتلفت الانتباه صورة أخرى شديدة الرهافة: (كل نافذة رحم)

النافذة منفذ للضوء وشهقة تنعش المكان، والرحم بداية للحياة. يضع الدباغ المفردتين في سياق واحد، فيولد معنى جديدا. كل صباح هو ولادة جديدة ، وكل ولادة غياب مؤجل. لهذا يبدو الفجر في القصيدة محاطا بالحذر والترقب. فالفجر عادةً علامة على البداية، إلا أن النص سرعان ما يقلب هذه الدلالة، إذ يتحول الصباح إلى خلفية للموت والفقد. وهذا التحول يمثل إحدى آليات كسر التوقع؛ فالفجر الذي يفترض أن يكون ولادة جديدة يصبح مشهدا يتجاور فيه الأمل مع الموت.

ويتكرر حضور البخور في أغلب مقاطع القصيدة . حضورا يتجاوز وظيفته المعتادة. ليتحول إلى رائحة للذاكرة، وإلى أثر للمفقودين، وإلى شاهد على زمن تتقاطع فيه الصلاة مع الانفجار.

إن عود البخور
بعود ثقاب يؤج.

ثم يعمد الدباغ أن يوازن بين العودين، عود البخور بيد زهراء مع ما يحمل من دلالات، مع عود الثقاب الذي ينسف كل هذا الوئام.

أحذري الورد
لا تلمسي زهرة قط
لا توقظي موعدا للطيور.

الورد، والزهرة، والطيور، علامات اعتادت أن تبشر بالحياة. داخل هذا النص تكتسب دلالة مختلفة. الخوف يربك الأشياء. حتى الجمال يحتاج إلى حذر، وحتى الفجر يمر تحت رقابة الموت. ويزداد الحذر كثيرا حين يخاطبها:

عودي إلى البيت
إن هذا الصباح ثقيل
فلا توقظيه
لا توقظي الموت يا حلوتي.

الصباح يحمل وزنا. والموت يبدو نائما ينتظر من يوقظه. استعارة تعلن ان الموت يترصد المدينة كل يوم. أسلوبيا، تميل القصيدة إلى الجمل القصيرة. الإيقاع يتولد من الوقفات أكثر مما يتولد من الوزن. النقاط المتتابعة، والفراغات، وتكرار النداء ( زهراء) و(عمو) تمنح النص نبرة مسرحية. الأصوات تتعاقب كما تتعاقب المشاهد، فيشعر القارئ أنه يقف وسط المكان، لا أمام قصيدة مكتوبة.يقتحم الدباغ الزمن حين ينتقل من الحاضر إلى الماضي، خصوصا في مقاطع الحوار مع زهراء والزمن الأكثر أهمية هو زمن ما بعد الحدث أي الزمن الذي يحاول فيه الأحياء فهم ما يحدث. ولهذا تكثر الأسئلة والاستفهامات:

أمّي التي قتلت
بسلاح أبي
بين عيني نبي
أَيُقتل أمي أبي؟

فالاستفهام هنا لا يطلب جوابا مباشرا لأن الجواب معروف أو مستحيل. إنه استفهام يعبّر عن صدمة الوعي أمام حدث لا يستطيع العقل استيعابه.

جاءت بائعة البخور محملة بمزيج من الأفعال الكلامية: أحذري الورد، لا تلمسي زهرة قط، لا توقظي موعدًا للطيور، لا تفتحي شرفة، عودي لبيتك. هذه الأفعال ليست مجرد أوامر لغوية. ففعل الأمر (عودي) تداوليا يعني الامر والخوف والحماية والعجز. وتستند القصيدة إلى نظم سيميائية متماسكة. المئذنة، والفجر، والبخور، والورد، والطيور، والنافذة، والسرادق، والرصيف، كلها علامات تتبادل وظائفها. الرائحة تقود إلى الذاكرة. البياض يقود إلى الكفن. الفجر يقود إلى الانفجار. الوطن يقود إلى مجلس عزاء مفتوح. وتأتي الخاتمة محملة بمرارة هادئة:

فمعذرة أن يكون العزاء
بلا فاتحة

تستقر هذه العبارة طويلا في الوجدان. كثرة الموت أرهقت حتى طقوس الوداع. الحزن فقد نظامه، وصار يمضي على عجل، كما تمضي الأيام في بلاد اعتادت أن تستقبل أبناءها بالشهادة وتودعهم بالدعاء.

هكذا تغادر (بائعة البخور) القارئ، بينما تبقى رائحتها معلقة في الذاكرة. رائحة تمتزج فيها الصلاة بالرماد، ويصعد منها سؤال كبير عن وطن ما زال يزرع البخور على أعتاب بيوته، وكلما أزهرت الرائحة، سبقها الموت بخطوة.

تثبت (بائعة البخور) أنها نص مكتظ بالعلاقات بين الموت والذاكرة، والرائحة والغياب، والبيت والخوف، والفجر والفاجعة. بنيويا، تقوم القصيدة على ثنائيات تتشابك وتتقاطع حتى تفقد حدودها التقليدية. ومن منظور السيميائيات، يتحول البخور إلى علامة مركزية على الذاكرة واستمرار الأثر.

وعلى البعد النفسي، تكشف الحوارات والتكرارات والنواهي عن ذات تحاول حماية نفسها من الصدمة، لكنها لا تستطيع التخلص من حضورها. ومن منظور النقد الثقافي، تتحول مأساة (زهراء) من تجربة فردية إلى صورة عن مجتمع تتغلغل فيه ثقافة الخوف والموت والفقد. أما التداولية فتكشف أن المعنى الأهم في القصيدة كثيرا ما يوجد خلف الكلام لا في الكلام نفسه فالأوامر تحمل خوفا، والنواهي تحمل اعترافا بقرب الموت، والاستفهامات تحمل عجزا عن التصديق، والصمت يحمل ما تعجز اللغة عن قوله.ولعل أهم ما تنتهي إليه القصيدة هو أن الموت يستطيع أن يأخذ الإنسان، لكنه لا يستطيع أن يمحو أثره. وهنا تتضح الدلالة العميقة للبخور: فهو يحترق لكي يمنح المكان رائحته، كما يختفي الإنسان لكي تظل ذاكرته. ومن هذه الزاوية تصبح (بائعة البخور ) في النهاية ليست بائعة لرائحة عابرة، بل حارسة لذاكرة الذين غابوا.


مشاهدات 31
الكاتب بشار ساجت لطيف
أضيف 2026/09/26 - 1:23 PM
آخر تحديث 2026/09/27 - 1:07 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 83 الشهر 45601 الكلي 16578121
الوقت الآن
الأحد 2026/9/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير