الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عراقيون كتبوا روايات الحساسية الجديدة


عراقيون كتبوا روايات الحساسية الجديدة

فيصل عبدالحسن

 

   تداخلت الأجناس في الكتابة السردية خدمة للإبداع، فكل ما يزين النص الأدبي، ويزيده وهجاً وقرباً من تجربة الكاتب، ويزيده عمقاً، صار مشاعاً للاستخدام.  وهناك تبدلات كبرى حصلت في شكل الكتابة الروائية والقصصية، كما حدث في كل شؤون الحياة منذ نهاية القرن الثامن عشر حتى التاريخ الحالي.  يقول عن بداية تلك التبدلات الناقد الفرنسي «بيير بورجلان» في مقال عن كتاب (الكلمات والأشياء) لميشال فوكو:  « لم يعد النظام كامنا في الحركة المتواصلة للتشابهات، بل في إقامة المتتاليات والجداول التي تتعاقب فيها التمثلات وتتجاوز. « فاللغة تفصم فيه مقاربتها القديمة بالأشياء..  ويدخل التشابه هنا عصراً هو بالنسبة له عصر الحمق والخيال» و» دون كيخوته « هو الكتاب الذي يتم التعبير فيه عن هذا الأنتقال من التشابه إلى الجنون.  إن هذا العصر الذي صار تحليلياً، من الآن فصاعداً، لا يريد أن يعرف غير شكلين من أشكال المقارنة هما، مقارنة القياس ومقارنة النظام.

ملاحم

    ومن المؤكد للرواية وهي نص حي هدف، فهي تتحدث عن الناس وعن قصصهم، وأشكال الحياة التي يعيشونها، والعمل الروائي يجب أن يكون نابعاً من خصوصيات أية أمة، ليجد الناس فيه حيواتهم.  وإجابات عما يشغل أذهانهم من اسئلة، أنها عالم كبير من الصدق والنبل، وشجاعة المواقف في مواجهة مصائرهم، وكفاحهم من أجل غد أفضل، والحديث الشجاع عن الحياة الرافضة لكل أنواع الظلم، وهي أيضا تحيط بفكر وفلسفة الذين يعيشون وتحاول الرواية أن تقول عنه شيئاً.

جنس ادبي

    ولم يعد الروائي ذلك الحكاء الذي لا يملك هدفاً من وراء ما يروي من قصص وحكايات، فالرواية جنس أدبي شعبي يحبه الناس، ويأمل متابعوه أن يجدوا فيه إجابات عما يدور في أذهانهم من أسئلة.  كما أن رواية اليوم هي سليلة الملحمة، فهي سليلة ملحمة جلجامش، الالياذة، الأنياذة، الأوديسة، والشاهنامه الفارسية، وغيرها من الملاحم الإنسانية.  وورثت عنها أنها ترصد جيلاً أو عدة أجيال، وتحكي كل مايتعلق بهم، لتحفظه وثيقة مرئية بالخيال عن حياة من عاشوا، ولمن سيأتي من الأجيال اللاحقة، لذلك فعلى الروائي أن لا يخيب أمل قرائه، وعليه أن يقدم لهم شيئا جديدا نابعا من معاناتهم، ومفردات حياتهم اليومية.

  أن كتابة الرواية العربية بدأت تتداخل مع السيرة الذاتية، وتصير جنساً لا هو بالرواية، ولا هو بالسيرة، وكما معروف فإن السيرة جنس أدبي مستقل والرواية كذلك.  ولكن ما كتب في الثمانيانت والتسعينات في الرواية العربية يحيلنا إلى هذه الإشكالية أيضاً، كتابة الرواية – السيرة.

  عراقيون

   كتبت سير السياسيين المشهورين على شكل روايات، بوقائع واقعية، وحوارات مسجلة ووثائق ثابتة.  ولولا ما جاء فيها من طرائق العمل الروائي، وجودة السرد ودقة، وفنية الحوارات، لما نالت تلك الكتب شهرتها وأهميتها الفكرية.  الحساسية الجديدة التي أثرت على أجيال مختلفة من أجيالنا الأدبية في العالم العربي أتت بسبب الاتصال بالأدب الغربي والترجمة عنه.  فظهرت واضحة، جلية في الكثير من أعمال كتابنا الإبداعية الجديدة منذ بداية التسعينات من القرن الماضي وحتى الوقت الحاضر.

ومن كتابنا العراقيين الذين أهتممت بتجاربهم الروائية، التي خلطت السيرة بالعمل الروائي “ صموئيل شمعون” في روايته “ عراقي في باريس” فهي رواية سيرة للكاتب في الوقت ذاته، عذاباته الشخصية كعراقي مهاجر، وبحثه عن البلد المفقود في دول أوربية، وهواجسه وتجاربه الغنية وطفولته المعذبة، وبحثه عن العمل والأمان في غير محيطه البيئي، و“ضياء الخالدي” في روايته “ قتلة” التي تحكي عن أحوال بغداد والأنفلات الأمني بعد سنة 2003 وضياع الأمل في دوامةعنف دائم، وجرائم متواصلة وإبراهيم سبتي في رواية “جنة العتاد” التي تروى بلسان تربوي يتحول إلى لص أثار محترف، فالسيرة تندمج مع حياة بطل الرواية ويصير السارد راويا لما عاشه سارق الآثار، ود.فاتح عبد السلام، فهو يحكي في رواية «عندما يسخن ظهر الحوت» عن أثار الموصل من خلال أثاري مصاب، وعلى وشك الموت، وكاظم الأحمدي، وهو يروي عذاباته من خلال تأريخ الأستعمار البريطاني في البصرة في روايته «أمس كان غداً « و”حلم عين” التي تتداخل فيها سيرة الكاتب مع سيرة مدرس اللغة العربية البصري الذي كانه الكاتب أيضاً.  في هذه الروايات تداخل السرد باليوميات والحكي بالتاريخ، والرواية بالسيرة.  ولا تجد خطاً فاصلاً بين الأجناس الأدبية المستعملة في العمل الأدبي في روايات هؤلاء الكتاب وغيرهم وحياتهم الشخصية.

ضمير الشعب

   في الحقيقة لدى الروائي العراقي ما يقوله عن بنى كتاباته الروائية أفضل من غيره، وهو كثير بالطبع ليروي بصدق عن الظروف التي يعيشها وطنه من أحداث محتدمة.  وما يعيشه هو كإنسان، فالروائي هو ضمير شعبه، والمتلقي الاول لكل ما يحيط بهم من أخطار، ومن توقعاته تصاغ أحلام الناس وأمانيهم، وبالرغم من عدم اهتمام العراقيين حالياً للأسف بقراءة الروايات وبالقراءة بشكل عام، ولكن سيأتي جيل آخر بعدهم سيفتش عن هذا الجنس الأدبي ليستقرىء حياة أجداده لمعرفة كيف عاشوا وسيتنبط من تجاربهم صلة متينة بالحياة الجديدة.

 


مشاهدات 27
الكاتب فيصل عبدالحسن
أضيف 2026/09/25 - 11:56 PM
آخر تحديث 2026/09/26 - 12:38 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 56 الشهر 43786 الكلي 16576306
الوقت الآن
السبت 2026/9/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير