الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العراق الذي لا يعرفه العراقيون: كيف صنعت الجغرافيا دولة صعبة الحكم؟

بواسطة azzaman

العراق الذي لا يعرفه العراقيون: كيف صنعت الجغرافيا دولة صعبة الحكم؟

عبدالحق الناصري

 

كلما مر العراق بأزمة جديدة، نبدأ البحث عن المتهم مرة تكون الطائفية، ومرة الأحزاب، ومرة التدخلات الخارجية، وأحيانًا نختصر القصة كلها في شخص سياسي أو حكومة فاشلة. لكن ربما نادرًا ما ننظر إلى شيء أبسط وأقدم من كل ذلك: الجغرافيا فالعراق ليس بلدًا سهلًا كما يبدو على الخريطة هذه البلاد التي نعرفها اليوم باسم العراق تجمع في مساحة واحدة عوالم مختلفة تمامًا. في الشمال جبال صعبة، وفي الوسط سهول صنعتها دجلة والفرات، وفي الجنوب أنهار وأهوار وخليج، بينما تمتد الصحراء غربًا نحو بلاد الشام والجزيرة العربية كل منطقة من هذه المناطق صنعت عبر التاريخ مجتمعًا مختلفًا وطريقة مختلفة للحياة ولهذا لم تكن مهمة أي سلطة تحكم العراق سهلة. فحكم مدينة مثل بغداد لا يشبه حكم منطقة جبلية في الشمال، وإدارة مجتمع زراعي حول الأنهار تختلف عن التعامل مع بيئات عشائرية أو صحراوية بعيدة عن المركز ربما هنا تبدأ قصة العراق الحقيقية فعلى مدى التاريخ، كان العراق بحاجة إلى سلطة مركزية قوية تجمع هذه المناطق المختلفة. لكن المشكلة أن قوة المركز كانت دائمًا سلاحًا ذا حدين عندما تكون بغداد قوية، تستطيع الدولة فرض النظام وربط الأطراف بالمركز. وعندما تضعف، تبدأ القوى المحلية بالظهور، وتصبح الأطراف أكثر استقلالًا، ويصبح البلد أكثر عرضة للتدخل الخارجي وكأن العراق يتحرك باستمرار بين معادلتين صعبتين: مركز قوي يخشى منه الناس، أو مركز ضعيف لا يستطيع حماية الدولة لكن تعقيد العراق لا يتعلق بما يحدث داخله فقط فموقعه الجغرافي جعله يعيش دائمًا وسط صراعات الآخرين أيضًا شرقًا إيران، شمالًا تركيا والأناضول، غربًا بلاد الشام، وجنوبًا الخليج والجزيرة العربية العراق لم يكن يومًا في زاوية هادئة من العالم كان دائمًا في المنتصف ولهذا تعاقبت عليه الإمبراطوريات والقوى الكبرى عبر التاريخ. ليس لأن العراقيين يحبون الحروب كما قد يوحي التاريخ، بل لأن هذه الأرض كانت مهمة أكثر مما ينبغي من يسيطر على العراق يقترب من الخليج، ويصل إلى طرق التجارة، ويمتلك موقعًا يسمح له بالتأثير في أكثر من اتجاه وهذه المشكلة لم تختفِ مع قيام الدولة العراقية الحديثة تغيرت الإمبراطوريات، وتغيرت الأسماء، لكن الجغرافيا بقيت كما هي ولهذا ربما لا يمكن فهم العراق الحديث بعيدًا عن هذه الحقيقة. فالدولة العراقية لم تبدأ على أرض فارغة، بل ورثت تاريخًا طويلًا من الصراع بين المركز والأطراف، وبين القوى المحلية والقوى الخارجية نحن عادةً نبحث عن تفسير واحد لمشكلة العراق، وكأن هناك سببًا واحدًا لكل ما حدث. لكن العراق أكثر تعقيدًا من ذلك الطائفية جزء من القصة، والسياسة جزء منها، والتدخل الخارجي جزء آخر. لكن خلف كل ذلك توجد خريطة لم تتغير منذ آلاف السنين خريطة جعلت العراق ملتقى شعوب وحضارات، لكنها جعلته أيضًا ملتقى صراعات. وربما تكون هذه هي المفارقة العراقية فالأشياء نفسها التي جعلت العراق مهمًا هي التي جعلته صعبًا الأنهار صنعت حضاراته، لكنها احتاجت إلى سلطة مركزية قوية موقعه جعله غنيًا ومهمًا، لكنه جعله مطمعًا للقوى الأخرى. تنوعه الثقافي منحه شخصية استثنائية، لكنه جعل مهمة بناء دولة متوازنة أكثر تعقيدًا لهذا لا أعتقد أن العراق بلد مستحيل الحكم لكنه بالتأكيد ليس بلدًا سهل الحكم وربما كان الخطأ الأكبر الذي تكرر عبر التاريخ هو الاعتقاد بأن السيطرة على بغداد تعني السيطرة على العراق كله فالعراق أكبر من عاصمته، وأعقد من أن يُفهم من خلال نشرات الأخبار، وأقدم بكثير من أزماته السياسية الحالية ومن يريد أن يفهم لماذا يبدو العراق أحيانًا وكأنه يعيد إنتاج أزماته، ربما عليه أن يتوقف قليلًا عن النظر إلى السياسيين، وأن ينظر إلى الخريطة هناك، ربما، تبدأ القصة. فالجغرافيا لا تصنع مصير الشعوب وحدها، لكنها بالتأكيد تضع أمامها الأسئلة التي ستقضي أجيالًا طويلة في محاولة الإجابة عنها.


مشاهدات 67
الكاتب عبدالحق الناصري
أضيف 2026/09/05 - 2:56 AM
آخر تحديث 2026/09/05 - 4:07 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 305 الشهر 6990 الكلي 16539510
الوقت الآن
السبت 2026/9/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير