الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بعد إنسحاب التحالف الدولي في 30 أيلول 2026.. قراءة عسكرية لواقع الترتيبات الميدانية المطلوبة

← بواسطة azzaman

بعد إنسحاب التحالف الدولي في 30 أيلول 2026.. قراءة عسكرية لواقع الترتيبات الميدانية المطلوبة

عماد علو الربيعي

 

المقدمة

 بانتظار أن تنسحب قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن من العراق بحلول نهاية سبتمبر/أيلول 2026، وفقا للاتفاق المبرم بين بغداد وواشنطن عام 2024. لكن هذا الانسحاب المرتقب لا يبدو مجرد نهاية للوجود العسكري لقوات التحالف الدولي، بل اختبارا لقدرة الدولة العراقية على إدارة توازنات أمنية وسياسية شديدة التعقيد. فهذا الوجود العسكري الأجنبي، كان من الناحية الواقعية بالنسبة للعراقيين، امتدادا» مؤلما» للغزو الأمريكي البريطاني، في عام 2003، ذلك الغزو الذي تسبب بتدمير البنية التحتية ومؤسسات الدولة العراقية وأزال أجهزتها العسكرية والأمنية وتسبب في مراحل لاحقة لظهور مجاميع مسلحة ودخول تنظيمات سلفية جهادية عاثت في ارض العراق من الفساد والجرائم والانتهاكات التي ذهب ضحيتها آلاف العراقيين، لا تزال دمائهم دليلا» على العلاقة الجدلية بين الاحتلال وقواته، وظهور نشاط تنظيمات إرهابية مثل القاعدة وداعش الإرهابي، من عام 2003 ولغاية 2026، هذا الظهور الذي لم مفاجئا»، أو نتاجاً لعامل واحد، بل نتيجة تراكم ثلاثة مسارات متداخلة: ضعف وهشاشة النظام السياسي الذي تشكل بعد عام 2003، والتهميش السياسي والاجتماعي، والفراغات الأمنية التي نجمت عن الصراعات المسلحة التي شهدها المجتمع العراقي (2005_ 2008)، في ظل وجود قوات الاحتلال الأمريكي البريطاني، الذي لم يمنع تفاقم خطر التنظيمات الإرهابية في المساحات التي غابت عنها الدولة أو ضعفت فيها شرعيتها وقدرتها على احتكار القوة. هذه الورقة البحثية المركزة ستحاول من خلال قراءة عسكرية لواقع الترتيبات الميدانية المطلوبة لما بعد انسحاب قوات التحالف الدولي في 30 أيلول 2026.

العراق والبحث عن السيادة

من خلال قراءة استراتيجية تتجاوز البعد العسكري المباشر لانتهاء وجود قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية من العراق، فان إعادة بناء سيادة الدولة العراقية، ينبغي أن ينطلق من تحليل بنية الدولة العراقية، وتوازنات القوى الإقليمية، والعوامل التي أسهمت أصلاً في ظهور الفراغات الأمنية وبررت استمرار وجود القوات الأجنبية على الأراضي العراقية وعلاقتها بظهور التنظيمات الإرهابية المتمثلة بتنظيمي القاعدة وداعش الارهابيان. وانطلاقاً من هذه الفكرة، فإن انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق في 30 سبتمبر أيلول 2026، لا يمثل مجرد انسحاب عسكري أو إنهاء لوجود قوات أجنبية، بل يشكل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة العراقية على الانتقال من مرحلة الاعتماد على الدعم الخارجي إلى مرحلة أعادة بناء نظام معركة وطني اتحادي لمؤسسة العسكرية والأمنية العراقية ينبثق عنه منظومة أمن وطني متكاملة، مستندة الى قرارات وقوانين دستورية، تحدد صلاحياتها ودورها في الدفاع عن العراق وحماية مصالح شعبه العليا.   ولما كان ظهور داعش قد ارتبط تاريخياً بضعف الدولة وتفكك مؤسساتها، فإن مستقبل العراق بعد الانسحاب الكامل لقوات التحالف الدولي وفي ظل التطورات الراهنة في البيئة الإقليمية والحرب الدائرة بين واشنطن وطهران، وتداعياتها على العراق، الذي يواجه نقاشات داخلية حول تنظيم السلاح وحصره بيد الدولة، فضلا» عن ضغوط» خارجية، تتزامن مع إنهاء مهمة التحالف، الأمر الذي يتطلب الإجابة عن التساؤل التالي: هل تستطيع الدولة العراقية بناء نظام أمني وطني موحد يحتكر القوة ويمنع تعدد مراكز القرار العسكري والأمني؟

داعش الارهابي .. التحدي، وقدرات الاستجابة

 مما يجدر الإشارة اليه أن الفراغات الأمنية والهشاشة السياسية قد تساعد على ظهور بيئات حاضنة للتنظيمات الارهابية المتطرفة، وهوما ظهر بعد الانسحاب الامريكي الأول في عام2011، واليوم، فان واقع الترتيبات الميدانية تشير الى أن القوات العراقية أصبحت أكثر خبرة وقدرة مقارنة بعام 2011، حيث يشير تقرير لمركز (ACLED) الأميركي للبحوث والدراسات الأمنية إلى انخفاض عمليات تنظيم داعش الإرهابي، إلى أدنى مستوى تاريخي في عام 2025، حيث تراجع إلى 88 حادثة مقارنة بنحو 1,457 حادثة في عام 2021، كما انخفض عدد البيانات التي أعلن فيها التنظيم مسؤوليته عن الهجمات إلى بيانين فقط خلال النصف الأول من عام 2026، مقارنة بأكثر من 1,000 بيان في عام 2021. وهوما تؤكده أيضا» التقارير الاستخبارية بأن فلول التنظيم الارهابي حاليًا تتوزع على شكل مفرز صغيرة محدودة العدد، في مناطق في محافظات الأنبار ونينوى وصلاح الدين، إضافة إلى جبال حمرين في محافظة كركوك. وبالمقابل فإن انتشار القوات العراقية وانفتاحها العملياتي على طول الحدود العراقية السورية، الى جانب استمرار نشاط خلايا داعش في بعض المناطق الهشة، والوضع الأمني الهش والمرتبك في الساحة السورية، يعني أن تحدي الارهاب لم ينتهِ بالكامل، وعليه فإن القضية ليست وجود قوات التحالف أو غيابها بحد ذاته، بل بمدى قدرة المؤسسات العسكرية والأمنية والاستخبارية العراقية على سد أي فراغ استخباري أو تقني أو جوي كان يوفره التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش.

حصر السلاح وإشكالية تعدد مراكز القوة

 إن انتهاء مهمة التحالف الدولي في 30 أيلول 2026، يمثل انتقالاً من مرحلة الأمن المدعوم خارجياً إلى مرحلة اختبار قدرات الدولة العراقية العسكرية والأمنية، من خلال تعزيز وحدة القيادة والسيطرة، وتطوير القدرات الاستخبارية، وحصر السلاح بيد الدولة، وتحقيق توازن في العلاقة بين المكونات السياسية والاجتماعية، فإن انتهاء مهمة التحالف قد يمثل انتقالاً تدريجياً نحو سيادة أمنية أكبر وتعزيز الاستقلال الاستراتيجي، في وقت لا تزال المعطيات الحالية للوضع السياسي والأمني في العراق تشير إلى أن قضية السلاح خارج الأطر الرسمية أحد الملفات التي ستؤثر في شكل النظام الأمني العراقي بعد 30 أيلول/سبتمبر2026. وهو أمر قد يؤدي بشكل أو بآخر الى أن الخطر الأكبر لا يتمثل في عودة داعش بوصفه تنظيماً يسيطر على الأرض كما حدث عام 2014، بل في عودة الظروف البنيوية التي سمحت بنشوء التنظيم أصلاً، والتي يمكن تلخيصها بالانقسام السياسي، وضعف الحوكمة، والفراغات الأمنية، وتضارب مراكز القوة. من هذا المنظور الاستراتيجي، فإن مستقبل العراق بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي سيتحدد بدرجة أقل بموضوع الانسحاب نفسه، وبدرجة أكبر بقدرة الدولة العراقية على بناء ما يمكن تسميته بـ(نظام معركة وطني متكامل)، يقوم على ما يلي:

تقنين وتعزيز العلاقة بين السلطة المدنية والمؤسسة العسكرية والأمنية العراقية استنادا» الى ما ورد في المادة التاسعة من الدستور العراقي لسنة 2005.

 حصر السلاح باتجاه احتكار الدولة الشرعي لاستخدام القوة وإعادة النظر في هياكل قطاع الأمن القومي العراقي في اطار تكامل المؤسسة العسكرية والأمنية والاستخبارية وتفعيل تطبيق ما ورد في استراتيجية مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف من خلال معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والفكرية التي تغذي التطرف و تطوير القدرات العسكرية والأمنية العراقية من خلال عقد شراكات أمنية دولية جديدة تقوم على نقل التكنولوجيا والتدريب على أساليب الحرب الحديثة، والتعاون الاستخباري، بدلاً من الوجود القتالي المباشر.

خلاصة

أثار كتاب الصحفي الامريكي جوبي واريك Joby Warrick (الرايات السوداء: صعود داعش)، الذي صدر عام 2015، سؤالًا مركزيًا حول تداعيات الغزو والاحتلال الأمريكي والبريطاني للعراق، والأخطاء الاستراتيجية الأمريكية، جراء هذا الغزو الجائر للعراق، والذي تسبب بشكل أو بآخر في ظهور تنظيمات السلفية الجهادية في العراق ومن ضمنها داعش الارهابي. واليوم وبعد أكثر من عقدين على غزو العراق عام 2003، ما تزال آثار ذلك الغزو وتبعاته من احتلال وتدمير وضحايا، حاضرة في الذاكرة العراقية، ليس فقط بسبب الخسائر البشرية والمادية، وإنما بسبب التحولات العميقة التي أصابت بنية الدولة والمجتمع والأمن الوطني العراقي أيضا»، والتي تسببت في عزله عن محيطه الإقليمي والدولي.

     وكان صعود التنظيمات الارهابية (القاعدة وداعش)، من أبرز نتائج تلك المرحلة، اذ تمكنت عام 2014 من السيطرة على مساحات واسعة من العراق وسورية. ان مسيرة أكثر من عقدين من الزمان منذ الغزو الأمريكي والبريطاني للعراق، تشير الى أن ثمّة علاقة سببية مركبة كانت تربط بين الاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق، وانهيار أو ضعف مؤسسات الدولة، والصراع الطائفي، والقرارات السياسية العراقية، والمشروع العقائدي والتنظيمي للسلفية الجهادية في العراق ومنطقة الشرق الأوسط، هذه البيئة المركبة سهلت للإرهاب استدامة عملياتية كلفت العراق وسوريا الكثير من الضحايا والتدمير في البنية التحتية والممتلكات العامة. لتتحول لاحقا» إلى مشروع تكفيري متطرف عابر للحدود.

 ان أهم الدروس المستنبطة من الاحتلال الأمريكي للعراق منذ عام 2003، ولغاية أيلول 2026 هو أن السيادة العراقية والأمن الوطني العراقي، لا يمكن اختزالهما في القوة العسكرية وحدها، فالدولة التي تمتلك قوات مسلحة قوية، لكنها تعاني ضعفًا في المؤسسات، وانقسامًا سياسيًا، وتعددًا في مصادر قرار استخدام القوة المسلحة، وضعفًا في إدارة الحدود والمعلومات، تبقى معرضة لعودة أشكال مختلفة من التهديد الأمني، الداخلي والخارجي.

 

 


مشاهدات 35
الكاتب عماد علو الربيعي
أضيف 2026/09/26 - 12:10 AM
آخر تحديث 2026/09/26 - 12:44 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 67 الشهر 43797 الكلي 16576317
الوقت الآن
السبت 2026/9/26 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير