دراسة نقدية في كتاب وسائل الإعلام الجديدة البديلة والناشطة ليا ليفرو
مصطفى طارق الدليمي
مقدمة
يمثل كتاب "وسائل الإعلام الجديدة البديلة والناشطة" للباحثة ليا ليفرو محاولة نظرية لدراسة التحولات التي أحدثتها التقنيات الرقمية في طبيعة الاتصال الإعلامي وفي العلاقة بين وسائل الإعلام والجمهور والحركات الاجتماعية غير أن أهمية الكتاب لا تنحصر في تناوله للإنترنت ووسائل الاتصال الحديثة وإنما في انتقاله من السؤال التقني إلى سؤال أكثر عمقاً يتعلق بالسلطة: من يمتلك القدرة على إنتاج الخطاب؟ومن يستطيع الوصول إلى الجمهور؟ وكيف يمكن للأدوات الإعلامية الجديدة أن تتحول من مجرد وسائل للاتصال إلى أدوات للمشاركة والتنظيم ؟
وتكتسب الدراسة أهمية خاصة في ظل التحول الذي شهده النظام الإعلامي العالمي من نموذج الاتصال الجماهيري التقليدي الذي كانت فيه المؤسسات الإعلامية تمتلك الجزء الأكبر من سلطة إنتاج المعلومات وتوزيعها إلى نموذج اتصالي أكثر تشاركاً أصبح فيه المستخدم قادراً على إنتاج المحتوى ونشره وإعادة توزيعه وقد أدى هذا التحول إلى ظهور مفاهيم جديدة مثل الإعلام البديل والإعلام الناشط وصحافة المواطن والمجتمعات الشبكية والمعرفة التشاركية تنطلق ليفرو من موقف نقدي تجاه الحتمية التكنولوجية التي تفترض أن التكنولوجيا قادرة بذاتها على إحداث التغيير الاجتماعي والسياسي فالوسيلة وفق المنظور الذي يتبناه الكتاب لا تعمل مستقلة عن مستخدميها وسياقاتها الاجتماعية والتنظيمية ومن هنا تبرز ثلاثية أساسية في بناء الكتاب: التكنولوجيا والممارسة والتنظيم وهي ثلاثية تسمح بفهم الإعلام الجديد بوصفه ظاهرة اجتماعية وسياسية وليس مجرد تطور في أدوات الاتصال
أولاً: الإطار الفكري والمنهجي للكتاب
تتمثل إحدى أبرز نقاط القوة في الكتاب في رفضه اختزال الإعلام الجديد في الجانب التقني فليفرو لا تتعامل مع الإنترنت باعتباره أداة تحريرية تلقائية ولا تفترض أن إتاحة التكنولوجيا للجمهور تؤدي بصورة آلية إلى الديمقراطية أو المشاركة أو إعادة توزيع السلطة
هذا الموقف يمنح الكتاب قيمة نقدية واضحة لأنه يضع التكنولوجيا داخل سياقها الاجتماعي فالمنصة الرقمية لا تصبح إعلاماً بديلاً لمجرد أنها متاحة للجمهور وإنما تكتسب هذه الصفة من خلال الممارسات التي تُبنى حولها والجماعات التي تستخدمها والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها ومع ذلك فإن هذا الإطار على الرغم من قوته النظرية يظل بحاجة إلى مزيد من التجديد المفاهيم في بعض المواضع ولا سيما عند التمييز بين الإعلام البديل والإعلام الناشط والإعلام التشاركي فالتداخل بين هذه المفاهيم قد يجعل الحدود بينها أقل وضوحاً خصوصاً بالنسبة للباحث الذي يريد تحويلها إلى متغيرات قابلة للدراسة التطبيقية
ثانياً: الجذور التاريخية للإعلام البديل
لا تبدأ ليفرو تاريخ الإعلام البديل مع الإنترنت وهذه من أكثر النقاط المنهجية أهمية في الكتاب إذ تعود إلى تجارب ثقافية وسياسية سبقت البيئة الرقمية ومن بينها تجربة الموقفيين في فرنسا خلال ستينيات القرن العشرين ومفاهيم مثل "التِّيه" و"التحريف"
تكشف هذه العودة التاريخية أن الإعلام البديل ليس ظاهرة تقنية مستحدثة وإنما امتداد لتقاليد طويلة من مقاومة الخطاب المهيمن وإعادة إنتاج الرسائل السائدة بطريقة نقدية ومن ثم فإن التكنولوجيا الجديدة غيّرت سرعة الانتشار واتساع الجمهور وأدوات المشاركة لكنها لم تخلق من الصفر الرغبة في إنتاج خطاب بديل وتتميز ليفرو هنا بأنها تضع الإعلام الجديد داخل تاريخ اجتماعي وفكري أطول الأمر الذي يضعف التفسيرات التي تنظر إلى المنصات الرقمية باعتبارها قطيعة كاملة مع الماضي
لكن يمكن تسجيل ملاحظة نقدية تتمثل في أن التركيز الكبير على التجارب الغربية يجعل الإطار التاريخي أقل قدرة على تفسير تجارب المجتمعات التي نشأت فيها وسائل الإعلام البديلة ضمن ظروف سياسية واجتماعية مختلفة وكان من الممكن أن يتسع الإطار المقارن ليشمل تجارب خارج أوروبا والولايات المتحدة
ثالثاً: التكنولوجيا والحركات الاجتماعية
ينتقل الكتاب من التاريخ الثقافي إلى نظرية الحركات الاجتماعية مستفيداً من عدد من المقاربات التي تناولت الحشد والتنظيم وتعبئة الموارد والشبكات الاجتماعية
وهنا ترفض ليفرو التصور القائل إن الشبكة الرقمية هي التنظيم الجديد بحد ذاته فالشبكة تساعد على الاتصال والتنسيق لكنها لا تنتج بالضرورة هوية جماعية أو مشروعاً سياسياً مستداماً وهذه النقطة تعد من أكثر أفكار الكتاب قابلية للتطبيق على التجارب المعاصرة فالانتشار الرقمي لا يساوي بالضرورة تعبئة اجتماعية وكثرة التفاعلات لا تعني امتلاك حركة اجتماعية منظمة ويمكن لمحتوى أن يحقق ملايين المشاهدات دون أن يتحول إلى فعل اجتماعي خارج الشاشة وتبدو هذه الفكرة ذات أهمية عند دراسة الحركات الاحتجاجية في المجتمعات العربية إذ أظهرت التجارب المختلفة أن وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في نشر المعلومات والتنسيق والتعبئة لكنها لا تستطيع وحدها توفير البنية التنظيمية والسياسية التي يحتاج إليها أي حراك مستمر
رابعاً: ثقافة التشويش وإعادة إنتاج الخطاب
يعرض الكتاب نماذج مختلفة لما يعرف بثقافة التشويش من إعادة توظيف الإعلانات والصور إلى الأعمال الفنية الاحتجاجية التي تستعمل الرموز السائدة وتعيد إنتاجها بطريقة ساخرة أو نقدية وتتمثل القيمة النظرية لهذا الفصل في أنه يوسع مفهوم النشاط الإعلامي فالنشاط لا يحدث فقط من خلال المقال أو الخبر أو البيان السياسي وإنما يمكن أن يحدث من خلال الصورة والسخرية والفن وإعادة تركيب الرسالة غير أن ليفرو لا تقدم هذه الممارسات باعتبارها أدوات ناجحة دائماً إذ تشير إلى احتمال تحول السخرية إلى ممارسة جمالية منفصلة عن الفعل السياسي أو إعادة امتصاصها داخل الثقافة السائدة نفسها وهذا النقد مهم في البيئة الرقمية الحالية حيث أصبحت الصور الساخرة والفيديوهات القصيرة أدوات رئيسية في تشكيل الرأي العام لكنها كثيراً ما تحقق تأثيراً لحظياً دون أن تنتج بالضرورة تغييراً مستداماً
خامساً: القرصنة والحوسبة البديلة
يناقش الكتاب مفهوم القرصنة من زاوية تتجاوز الاستخدام القانوني الشائع للمصطلح وتبحث ليفرو في ثقافة الهاكرز والبرمجيات الحرة والمفتوحة المصدر محاولة التمييز بين الاستخدام الاستهلاكي للمحتوى غير المرخص وبين الممارسات التي تحمل رؤية سياسية أو معرفية تتعلق بإعادة توزيع الوصول إلى المعلومات والتكنولوجيا
وهنا يقدم الكتاب إسهاماً مهماً في إعادة تعريف العلاقة بين التكنولوجيا والملكية الفكرية لكنه يواجه في الوقت نفسه مشكلة التداخل بين المستويات الأخلاقية والقانونية والسياسية للمفهوم فليس كل خرق لحقوق الملكية الفكرية فعلاً سياسياً كما أن كل نشاط تقني خارج المؤسسات لا يمثل بالضرورة مقاومة للسلطة وكان يمكن للكتاب أن يمنح هذا التمييز مساحة أكبر خصوصاً مع اتساع اقتصاد المنصات الرقمية وتغير مفهوم الملكية الفكرية منذ ظهور التجارب التي يناقشها
سادساً: صحافة المواطن وتحدي الصحافة المهنية
يمثل هذا الفصل واحداً من أكثر فصول الكتاب أهمية بالنسبة لدراسات الإعلام لأنه يضع الصحافة المهنية أمام التحول الذي فرضه الجمهور المنتج للمحتوى
تجادل ليفرو في ثنائية الصحفي المهني والمواطن المنتج للأخبار وتعرض الاعتراضات المرتبطة بالدقة والأخلاقيات والاقتصاد ونظرية المعرفة وفي المقابل تكشف التجارب الرقمية أن الصحافة التشاركية استطاعت في حالات كثيرة الوصول إلى معلومات وصور وشهادات ماعادت المؤسسات التقليدية قادرة على الوصول إليها بالسرعة نفسها
لكن المشكلة الأساسية لا تتعلق بمن يملك الهاتف أو المنصة وإنما بعملية إنتاج المعرفة الصحفية نفسها فالخبر يحتاج إلى التحقق وتعدد المصادر والمسؤولية المهنية ومن هنا فإن القيمة الحقيقية لصحافة المواطن لا ينبغي أن تُقاس بقدرتها على إلغاء الصحافة المهنية وإنما بقدرتها على توسيع دائرة المشاركة في إنتاج المعلومات
وتزداد أهمية هذه المسألة في العراق الذي شهد خلال السنوات الماضية توسعاً كبيراً في الصفحات والمنصات المحلية والمحتوى الذي ينتجه المواطنون فقد أصبحت هذه المنصات في بعض الحالات مصدراً سريعاً للمعلومات لكنها في الوقت نفسه كشفت عن مشكلة جوهرية تتمثل في سرعة تداول المعلومة مقارنة بسرعة التحقق منها
سابعاً: الإعلام الرقمي والتعبئة الاجتماعية
يتناول الكتاب احتجاجات سياتل عام 1999 بوصفها نموذجاً مهماً لتداخل التكنولوجيا مع النشاط الاجتماعي والسياسي وتكشف التجربة كيف يمكن لشبكات الاتصال أن تساعد على التنسيق بين مجموعات مختلفة وتوفير قنوات إعلامية بديلة عن المؤسسات التقليدية
لكن قيمة هذا الفصل لا تكمن في الاحتجاجات نفسها بقدر ما تكمن في إثبات أن التكنولوجيا تصبح مؤثرة عندما تدخل في بنية اجتماعية قائمة بالفعل وهنا يتأكد مرة أخرى أن التكنولوجيا ليست بديلاً عن التنظيم وإنما أداة يمكن أن تزيد من قدرته على الاتصال والتنسيق والانتشار
ثامناً: ويكيبيديا وسؤال سلطة المعرفة
يصل الكتاب في فصله الأخير إلى أحد أكثر أسئلته عمقاً: من يملك حق إنتاج المعرفة؟من خلال مناقشة ويكيبيديا ومشروعات المعرفة التشاركية تضع ليفرو النموذج التقليدي للخبير أمام نموذج جديد يقوم على مساهمة عدد كبير من المستخدمين والسؤال هنا لا ينبغي أن يكون فقط حول دقة ويكيبيديا أو دقة المعرفة التي ينتجها الجمهور وإنما حول التحول الذي طرأ على سلطة إنتاج المعرفة نفسها فإن هذا التحول لا يعني انتهاء دور الخبراء والمؤسسات العلمية فالمعرفة التشاركية يمكن أن توسع المشاركة لكنها تظل بحاجة إلى آليات للتحقق والتحرير والتوثيق ولذلك فإن العلاقة بين الخبير والجمهور في العصر الرقمي تبدو أقرب إلى إعادة تشكيل للأدوار منها إلى إلغاء أحد الطرفين
تاسعاً: قراءة نقدية في منهج الكتاب
يمتلك الكتاب عدداً من نقاط القوة الواضحة أبرزها الجمع بين التاريخ والنظرية والأمثلة التطبيقية ورفض الحتمية التكنولوجية ومحاولة قراءة الإعلام البديل في سياقه الاجتماعي والتنظيمي كما يتميز بتنوع الحالات التي يناقشها وهو ما يمنح القارئ فرصة لفهم الظاهرة من خلال الفن والقرصنة والصحافة والاحتجاج والمعرفة في المقابل تظهر بعض الحدود المنهجية فغلبة الحالات الغربية تحد من إمكانية تعميم بعض الاستنتاجات على البيئات الإعلامية غير الغربية كما أن التحولات المتسارعة في البيئة الرقمية تجعل بعض الأمثلة التاريخية بحاجة إلى إعادة قراءة في ضوء ظهور المنصات الخوارزمية والذكاء الاصطناعي واقتصاد المؤثرين
وهناك أيضاً سؤال لا يستطيع الكتاب بحكم زمن إنتاجه وسياقه أن يجيب عنه بصورة كاملة: ماذا يحدث عندما تصبح المنصة نفسها وسيطاً يملك قدرة هائلة على ترتيب ظهور المحتوى وتحديد انتشاره؟ فالمشكلة ماعاد فقط في امتلاك المواطن القدرة على النشر وإنما في امتلاكه القدرة على الوصول إلى الجمهور وهذا التحول ينقل النقاش من من يملك حق الكلام؟ إلى سؤال أكثر تعقيداً: من يملك القدرة على جعل هذا الكلام مرئياً؟
تكمن أهمية وسائل الإعلام الجديدة البديلة والناشطة في أنه لا يقدم التكنولوجيا بوصفها بطلاً للتغيير ولا يتعامل مع الإعلام البديل باعتباره بديلاً مثالياً للمؤسسات التقليدية وإنما يحاول فهم العلاقة المعقدة بين التكنولوجيا والممارسة والتنظيم والسلطة
والقيمة الأبرز للكتاب ليست في الإجابات التي يقدمها بقدر ما هي في الأسئلة التي يفرضها على الباحث والقارئ
فقد انتقل الجمهور من موقع المتلقي إلى موقع المنتج والمشارك لكن هذا الانتقال لم يُنهِ مشكلة السلطة انما أعاد توزيعها وإنتاج أشكال جديدة منها
تبدو الحاجة اليوم إلى قراءة هذه الأطروحات ضمن إطار محلي أكثر إلحاحاً فلدينا تجارب واسعة في الإعلام الرقمي وصحافة المواطن وصناعة الترند والمنصات المحلية والحملات الإلكترونية لكنها تحتاج إلى دراسات تتجاوز الاحتفاء بالتكنولوجيا أو تخويف المجتمع منها نحو تحليل أثرها الحقيقي في صناعة المعرفة والرأي العام وتوزيع السلطة الإعلامية وبذلك يمكن القول إن السؤال المركزي الذي يتركه الكتاب لا يتعلق بالمستقبل التقني لوسائل الإعلام وإنما بمستقبل العلاقة بين الإعلام والجمهور والسلطة والمعرفة وهذه العلاقة ستظل مفتوحة على إعادة التعريف كلما ظهرت منصة جديدة أو تغيرت خوارزمية أو امتلك فرد عادي أداة تمكنه من الوصول إلى جمهور كان يحتاج في الماضي إلى مؤسسة كاملة للوصول إليه