حسيبك لليمن
منهل الهاشمي
(ترامبو) المعتوه سيء البيت الأسود ارادها مؤخرا حربا اقتصادية مع ايران، تكمن في السيطرة على مضيق هرمز وخنق ايران اقتصاديا حتى تعود الى طاولة المفاوضات راكعة.. طائعة.. صاغرة.. صغيرة، فيُملي عليها ما يريد من شروط. لكن لم يدر بخلده انها ستفتح عليه جبهة حربية واقتصادية ثانية وهي مضيق باب المندب التي يسيطر عليها الحوثيون. وكأنَّ لسان حال ايران يخاطبه بأغنية ام كلثوم (حسيبك « لليمن «).. بدل الزمن. رغم أنّ كلاهما يصلحان للوصف (اليمن.. والزمن). فالزمن أيضا ليس في صالحه فالانتخابات الأمريكية النصفية قادمة، اي انتخابات الكونغرس وتشمل مجلسَيْ الشيوخ والنواب معا والمقررة في 3 تشرين الثاني المقبل. وكان قد وعد جمهوره بأنه سيكتسح مقاعدها امام منافسيه من الحزب الديمقراطي واعدائه من اليساريين، وبحسم الصراع مع ايران قبلها وإذا به يؤجلها لما بعدها !!.لقد أتت رياح مضيق باب المندب بما لا تشتهي سفنه الإبحار فيه. وبذلك تحول المضيقين من ممرّات بحرية.. إلى ممرّات انتخابية إجبارية. إذ إن ارتفاع أسعار النفط والوقود، وزيادة تكاليف النقل والتأمين على السفن انعكست على أسعار السلع في العالم اجمع. والناخب الامريكي لن يسأله عن نجاحه بفتح المضيقين من عدمه، وإنما سيسأله : من الذي وسّع المضيق... وضيّق علينا المعيشة ؟!. وهنا إنقلب السحر على الساحر. فقد أراد لإيران دفع ثمن الحرب، فإذا بالناخب الأمريكي يدفع جزءا من الفاتورة. وأراد تضييق الخناق على طهران، فإذا به يضّيقه على الوقود والاقتصاد والانتخابات.إذاً لم تعد هذه الحرب نزهة لترامب بل أضحت ورطة تقتضي الصبر والتفكّر.. والتدبّر والتدبير.. والتبرير والتفسير. ولم تكتفِ بزج جنود المارينز في البحر بل وضعت الرئيس البلطجي ذاته في لُجّة بحر من الحيرة الخطيرة. فرجل (البزنس) الذي يتشدق دوما بوصفه رجل الصفقات الكبرى، وجد أنّ الصفقة هذه المرة ليست في قاعة مفاوضات وإنما في بحر تتعدد فيه المسارات.. وتتناسل فيه المفاجآت. وكلما قال : اقتربنا من النهاية.. إنفتحت له جبهة جديدة لترد عليه : بل ما زلنا في البداية، فقد تغيّر الممرّ.. وتبدّل المرسى.. واتسعت الورطة.وفي نهاية المطاف اكتشف بأنّ أصعب ما في الحرب ليس أن تبدأها.. بل كيف تنهيها. فمضيق يضيق.. ومضيق يلوح.. ورئيس يلّوح. وأسعار تتعالى.. وأساطيل تتوالى.. وأسواق في كساد وانجماد. وإذا كان مضيق هرمز قد جعل ناقلات النفط تمشي على أطرافها.. فإن مضيق باب المندب قد يجعل التجارة العالمية تغطّ في كسادها. لقد أراد ترامب أن يجعل إيران تدفع ثمنا.. فإذا بالحرب تفتح حسابات جديدة على الجميع. وأراد أن يختصر الطريق إلى النصر.. فإذا بالطريق يتشعب وفق المعطيات الجيوسياسية إلى هرمز وباب المندب، ومنهما إلى البحر الأحمر والخليج، والأسواق والبورصة في العواصم العالمية. وكأن القدر يسخر منه بالقول : لا تفرح كثيرا، فالبحر ليس غرفة تغلق بابها فتستريح.. حين تأتيك منها الريح. وإنما هو بيتٌ واسع.. شاسع. ولكل باب فيه مفتاح.. ولكل مفتاح حكاية.. ولكل حكاية فاتورة عليه دفعها كي يحكي هذه المعتوه حكايته. وهو ما ينطبق مع ما ذكره عبقري المسرح شكسبير بوصفه الحياة في رائعته الخالدة (مكبث). « إنها حكاية يحكيها معتوه، ملؤها الصخب والعنف، ولا تعني أي شيء.» وياله من معتوه ذلك (الترامب) الذي حكى لنا هذه الحكاية البائسة المسماة (جعجعة دون طحن) !!.
كاتب وأكاديمي