عباءة الدم
عبدالحق الناصري
في زاوية دافئة من أحد مقاهي تكريت القديمة، جالس رجل مسن يقلّب بين أصابعه سبحة من العقيق، بينما يدور في التلفزيون المعلق على الجدار خبر عن هجوم جديد على أطراف المدينة. يتنهد الرجل ويردد أمام أصحابه: «العنف لا ينتمي لأحد، لكنه عندما يلبس قميص الدين يتغذى على جهلنا.» هذه الكلمة البسيطة تختصر ما تعجز عنه مجلدات العلوم السياسية في تفكيك ظاهرة الإرهاب بشرقنا المنهك الإرهاب في العالم الشرقي ليس بضاعة حصرية لدين بعينه ولا لطائفة دون غيرها، بل هو سلوك عنفي تتعدد أفكاره وتتنوع شعاراته بين عقائدية وقومية وسياسية. فالقتيل الذي يسقط في اعتداء مسلّح لا يهمه إن كان القاتل يحمل مصحفاً يفسره على هواه، أو يرتدي ثوب راهب بوذي يحرض على التطهير العرق في ميانمار، أو يرفع شعار القومية الهندوسية للاعتداء على جيرانه، أو مستوطناً يرى في أرض غيره حقاً إلهياً، أو حتى مسلّحاً يسارياً يحارب باسم ثورة العمال. الوجوه تتغير، والسلاح واحد البداية الحقيقية للفهم تبدأ من العودة إلى التاريخ القريب؛ فالمنطقة الشرقية شربت من كأس العنف السياسي بكافة أشكاله. قبل عقود، شهدت المنطقة حركات تمرد وقوميات مسلحة صبغت صراعاتها بصفة أيديولوجية علمانية خالص، ثم جاءت موجة التطرف باسم الإسلام لترفع منسوب الاستقطاب الطائفي وتخلف دماراً طال المسلمين أنفسهم قبل غيرهم. وفي نفس الإقليم، نرى جماعات تطرف ديني وقومي في جنوب وجنوب شرق آسيا تمارس أعتى أشكال التهجير القسري والقتل الضيق ضد أقليات كاملة، لتثبت أن العنف متى ما وجد البيئة الخصبة، فلن يحتاج إلا لغطاء يُحلل له دماء الآخرين الحقيقة التي نغفل عنها أحياناً تحت وطأة الضخ الإعلامي هي أن الأديان والأيديولوجيات في الشرق ليست هي الصانع الأصلي للإرهاب، بل هي المادة الخام التي يعاد تشكيلها وتأطيرها من قبل تجار الحروب. يتغذى التطرف على التهميش، والفقر، وصدمات الحروب المتراكمة، والجهل الذي يجعل الشباب صيداً سهلاً لشعارات براقة تعيد تقسيم العالم إلى فسطاطين: «نحن» الأخيار، و»هم» الأشرار الذين يستحقون الإبادة إن حصر الإرهاب في ثوب ديني محدد أو طائفة بعينها ليس مجرد خطأ تحليلي، بل هو الخدمة الأكبر التي نقدمها للإرهابيين أنفسهم. عندما نعمم، نمنح القتلة الشرعية التي يحلمون بها للتحدث باسم الملايين من الأبرياء، بينما الحل يبدأ من عرقلة الماكنة التي تحول المظالم السياسية والاجتماعية إلى خطابات كراهية، ودعم الوعي الذي يجعل المجتمع عصياً على الاستقطاب مهما تنوعت شعاراته.