الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حماية المستهلك في العراق.. من يراقب ما نأكله؟

بواسطة azzaman

حماية المستهلك في العراق.. من يراقب ما نأكله؟

حيدر جاسب عريبي البهادلي

 

قد يشتري المواطن العراقي علبة غذائية من أحد المتاجر، أو يتناول وجبة في مطعم، أو يشتري قطعة حلوى من أحد المعامل، وهو يعتقد أن ما أمامه يخضع بالضرورة لسلسلة من الفحوص والرقابة التي تضمن سلامته. لكن السؤال الذي يستحق أن يطرح نفسه هنا ليس عن السعر أو المذاق، وإنما عن الرحلة التي قطعتها المادة الغذائية قبل أن تصل إلى يد المستهلك.

من أين جاءت المادة الأولية؟ هل فُحصت قبل دخولها في عملية التصنيع؟ هل كانت صالحة للاستهلاك البشري؟ وما المواد التي أضيفت إليها أثناء التصنيع؟ وهل الإضافات والمواد الكيميائية المستخدمة مرخصة ومسموح بها؟ ومن يراقب أدوات الطبخ في المطاعم؟ ومن يتحقق من صلاحية المواد المستخدمة في صناعة الحلويات والمعجنات؟ وهل ما يزال تاريخ الصلاحية الذي يراه المستهلك على العبوة يعبر عن الحقيقة؟

هذه الأسئلة ليست مبالغة ولا تدخلاً في عمل المنتجين، وإنما هي في صميم حماية المستهلك والصحة العامة وسيادة القانون.

حماية المستهلك تبدأ قبل أن يصل المنتج إلى السوق

عندما نتحدث عن حماية المستهلك، غالباً ما ينصرف التفكير إلى السعر، أو الفاتورة، أو استبدال السلعة المعيبة. لكن الحماية الحقيقية تبدأ في مرحلة أبكر بكثير، أي قبل أن تصل السلعة إلى رف المتجر.

ففي الصناعات الغذائية تحديداً، لا يكفي أن يكون المنتج النهائي مغلفاً بصورة جيدة، وأن يحمل اسماً تجارياً جذاباً وتاريخ صلاحية مطبوعاً عليه. السؤال القانوني والصحي الأهم هو: هل مرت المواد التي دخلت في تصنيعه بسلسلة فحوص ورقابة تضمن صلاحيتها للاستهلاك البشري؟

وهنا تبرز مسؤولية الجهات الرقابية في التحقق من المواد الأولية التي تدخل إلى المصانع، وعدم الاكتفاء بفحص المنتج النهائي فقط.

فإذا كانت المادة الأولية غير صالحة أو ملوثة أو غير مطابقة للمواصفات، فإن الخطر قد يبدأ منذ اللحظة الأولى لدخولها خط الإنتاج، وقد لا يكون من السهل اكتشافه بعد أن تختلط بمواد أخرى أو تمر بمراحل التصنيع.

ومن ثم فإن الرقابة الفعالة لا ينبغي أن تكون رقابة على المنتج النهائي وحده، وإنما رقابة على دورة حياة المنتج.

ماذا يدخل إلى مصانع الأغذية؟

السؤال الذي يستحق أن يكون حاضراً في أعمال التفتيش هو: ما المواد الأولية التي تدخل إلى مصانع الأغذية؟ وما مصدرها؟ وهل تحمل شهادات وفحوصاً تثبت صلاحيتها؟ وهل يتم أخذ عينات منها قبل استخدامها في التصنيع؟

وهذا الأمر يكتسب أهمية خاصة في المنتجات التي تدخل في غذاء الأطفال، واللحوم ومشتقاتها، والألبان، والزيوت، والمعلبات، والعصائر، والمياه، وغيرها من المنتجات التي يستهلكها المواطن بصورة يومية.

لا ينبغي أن يكون معيار الرقابة هو: هل المنتج النهائي يبدو سليماً؟

بل ينبغي أن يمتد السؤال إلى: هل المواد التي صنعت هذا المنتج كانت سليمة أصلاً؟

فالمظهر الخارجي للمنتج لا يكفي وحده للحكم على سلامته.

المواد المضافة.. أين تقف الضرورة وأين يبدأ الخطر؟

الصناعة الغذائية الحديثة تعتمد على عدد كبير من المواد المضافة لأغراض مختلفة، مثل الحفظ، وتحسين القوام، واللون، والطعم، ومنع التلف وغيرها.

 

ولا يعني وجود مادة مضافة بالضرورة أنها ضارة، فهناك مواد مسموح باستخدامها وفق ضوابط ونسب محددة. لكن المشكلة القانونية والصحية تظهر عندما تستخدم مادة غير مرخصة، أو تستخدم مادة مسموحة بتركيز يتجاوز الحدود المقررة، أو تستخدم مادة لغير الغرض المسموح به.

ومن هنا ينبغي أن تتوجه الرقابة إلى سؤال محدد:

ما المواد الكيميائية التي تدخل في تصنيع الغذاء؟ وهل هي معتمدة ومرخصة من الجهات المختصة؟ وبأي نسب تستخدم؟

فالفرق كبير بين مادة مضافة مسموح بها وفق المعايير العلمية وفي حدود معينة، وبين مادة تستخدم بصورة عشوائية لمجرد تحسين اللون أو الطعم أو إطالة مدة الحفظ.

وهنا لا بد من تعزيز التعاون بين الجهات الرقابية المختصة بالغذاء والصحة والبيئة والمواصفات والسيطرة النوعية، بحيث تكون الرقابة قائمة على الفحص المختبري وليس على المظهر الخارجي للمنتج.

المطاعم.. الرقابة لا تتوقف عند نظافة المكان

أما المطاعم، فهي تمثل حالة مختلفة؛ لأن المستهلك في الغالب لا يرى المواد التي استخدمت في إعداد وجبته.

قد يرى المطبخ مرتباً والطعام شهياً، لكنه لا يعرف بالضرورة نوع الزيت المستخدم، أو مصدر اللحوم، أو صلاحية المواد الأولية، أو طريقة حفظها، أو المواد المضافة التي استخدمت أثناء إعداد الطعام.

ولهذا فإن الرقابة على المطاعم ينبغي ألا تختصر في سؤال: هل المكان نظيف؟

بل ينبغي أن تمتد إلى سلسلة كاملة من الأسئلة:

ما نوع اللحوم المستخدمة؟ وما مصدرها؟ وهل خضعت للفحص البيطري والصحي؟

ما طبيعة الزيوت المستخدمة في الطبخ؟ وكم مرة يعاد استخدامها؟

هل تحفظ المواد الغذائية في درجات الحرارة المناسبة؟

ما المواد الكيميائية والمنظفات المستخدمة في أماكن إعداد الطعام؟ وهل يتم استخدامها بطريقة تمنع تلوث الأغذية؟

هل أدوات الطبخ والأواني والأسطح الملامسة للغذاء مناسبة للاستخدام الغذائي؟

وهل توجد آلية واضحة لمنع اختلاط المواد الخام بالأغذية الجاهزة؟

هذه ليست تفاصيل فنية هامشية، وإنما عناصر تدخل في صميم حق المستهلك في الحصول على غذاء آمن.

اللحوم.. مسؤولية تبدأ قبل المطعم

وفي ما يتعلق باللحوم، فإن الرقابة لا ينبغي أن تبدأ من باب المطعم، وإنما من سلسلة التوريد التي تسبقه.

فالمستهلك عندما يطلب وجبة تحتوي على اللحوم يفترض أن مصدرها معلوم، وأنها خضعت للفحص البيطري، وأن عمليات الذبح والنقل والخزن تمت وفق الشروط الصحية المعتمدة.

ومن هنا فإن حماية المستهلك تتطلب ربط حلقات الرقابة بعضها ببعض: من المصدر إلى المجزر، ومن المجزر إلى النقل، ومن النقل إلى المطعم، ثم إلى الطبق الذي يصل إلى المستهلك.

مصانع الحلويات والمعجنات.. ماذا يوجد داخل المنتج؟

تبدو قطعة الحلوى أو المعجنات بسيطة في شكلها، لكنها قد تتكون من عدد كبير من المواد.

الدقيق، والزيوت، والسمن، والبيض، والحليب، والكريمة، والملونات، والمنكهات، والمواد الحافظة، والمحليات وغيرها.

وهنا تطرح حماية المستهلك سؤالاً مشروعاً: هل جميع هذه المواد معلومة المصدر وصالحة للاستخدام؟ وهل المواد المضافة مسموح بها؟ وهل تستخدم ضمن الحدود المعتمدة؟

والأمر لا يتعلق فقط بالمصانع الكبيرة، وإنما يمتد إلى معامل الحلويات والمخابز والمشاريع الغذائية الصغيرة، لأن حجم المنشأة لا يغير من حق المستهلك في الحصول على منتج آمن.

كما أن وجود ملصق يتضمن المكونات وتاريخ الصلاحية لا ينبغي أن يكون مجرد إجراء شكلي؛ فالبيانات يجب أن تكون صحيحة وقابلة للتحقق.

أخطر نقطة: تاريخ الصلاحية

من أكثر المسائل التي تستحق تشديد الرقابة مسألة تاريخ الإنتاج والانتهاء.

فالمستهلك عندما يرى تاريخ صلاحية على العبوة يبني قراره على أساس أن هذا التاريخ حقيقي وأن المنتج خضع لنظام يحافظ على سلامته حتى ذلك التاريخ.

لكن ماذا لو تم تغيير التاريخ؟

وماذا لو أعيد تغليف منتج قديم بغلاف جديد يحمل تاريخاً جديداً؟

وماذا لو أزيلت البيانات الأصلية للمنتج وأعيد تقديمه للمستهلك بصورة توحي بأنه حديث الإنتاج؟

هنا لا نتحدث عن مخالفة شكلية، وإنما عن ممارسة يمكن أن تمس حق المستهلك في المعرفة، وسلامته الصحية، وثقته بالسوق.

وقد تناول قانون حماية المستهلك العراقي رقم (1) لسنة 2010 هذه المسألة بصورة واضحة، إذ حظر تغيير أو إخفاء أو إزالة تاريخ الصلاحية، كما حظر إعادة تغليف المنتجات التالفة أو المنتهية الصلاحية بعبوات تحمل تاريخ صلاحية مغايراً للحقيقة.

وهذا النص يكشف بوضوح أن المشرع العراقي أدرك خطورة العبث بتاريخ الصلاحية، لكن القيمة الحقيقية للنص تظهر عندما تتحول هذه القاعدة إلى رقابة عملية وفحص مستمر وعقوبة فعالة.

من يراقب سلسلة الغذاء؟

هنا نصل إلى جوهر المشكلة.

حماية المستهلك ليست مسؤولية جهة واحدة فقط؛ فالرقابة على الغذاء تتقاطع فيها اختصاصات متعددة، صحية وبلدية وبيطرية وتجارية ورقابية وفنية.

لكن تعدد الجهات لا ينبغي أن يؤدي إلى ضياع المسؤولية أو إلى وجود فجوات بين الاختصاصات.

المطلوب هو أن يعرف كل طرف مسؤوليته بوضوح، وأن تكون هناك آلية تنسيق فعالة تسمح بتتبع المنتج منذ دخوله كمادة أولية وحتى وصوله إلى المستهلك.

وهذا ما يعرف في الأنظمة الحديثة بمفهوم تتبع المنتج وسلسلة الإمداد؛ بحيث يمكن، عند اكتشاف خلل في منتج معين، معرفة مصدره والمواد التي دخلت في إنتاجه والأماكن التي تم توزيعه فيها، واتخاذ الإجراءات اللازمة بسرعة.

ماذا تقول التجارب المتقدمة؟

الدول المتقدمة في مجال حماية المستهلك لم تكتفِ بإصدار نصوص تمنع الغش، بل عملت على بناء منظومة رقابية تقوم على الوقاية وتقييم المخاطر وتتبع الغذاء وسرعة سحب المنتجات غير الآمنة.

وفي الاتحاد الأوروبي، تقوم قواعد السلامة الغذائية على مبدأ أساسي هو أن سلامة الغذاء مسؤولية تمتد عبر مختلف مراحل سلسلة الإنتاج والتوزيع، مع وجود قواعد للتتبع والرقابة الرسمية وإدارة المخاطر.

وهذا النهج يختلف عن الرقابة التي تنتظر وصول الشكوى بعد أن يستهلك المواطن المنتج؛ فالرقابة الحديثة تحاول اكتشاف الخطر قبل أن يصل إلى المستهلك.

وفي أستراليا أيضاً، لا تقتصر حماية المستهلك على معالجة المشكلة بعد وقوعها، وإنما ترتبط بضمانات قانونية تتعلق بسلامة السلع وجودتها ومطابقتها للغرض الذي اشتريت من أجله. (accc.gov.au)

ومن هذه التجارب يمكن للعراق أن يستفيد من فكرة جوهرية: الرقابة الناجحة ليست كثرة الجولات التفتيشية، وإنما قدرتها على اكتشاف الخطر في الوقت المناسب.

نحتاج إلى رقابة تعتمد على المختبر لا على العين فقط

من السهل على المفتش أن يرى عبوة متضررة أو منتجاً منتهي الصلاحية. لكن بعض المخاطر لا يمكن اكتشافها بالنظر أو بالرائحة أو باللمس.

فالمادة الكيميائية المستخدمة في منتج غذائي، أو نسبة مادة حافظة، أو وجود تلوث ميكروبي، أو عدم صلاحية مادة أولية، كلها أمور تحتاج إلى فحص مختبري متخصص.

ولهذا فإن تطوير مختبرات الفحص، ورفع كفاءتها، وتوفير الأجهزة والكوادر المتخصصة، ووضع برامج دورية لسحب العينات العشوائية، يمثل جزءاً أساسياً من حماية المستهلك.

كما ينبغي أن تكون الرقابة قائمة على المخاطر، بحيث تحظى المنتجات الأكثر ارتباطاً بصحة الإنسان بمستوى أعلى من المتابعة والفحص.

المواطن شريك في الرقابة

لا تستطيع الجهات الرسمية وحدها اكتشاف كل مخالفة في سوق واسع ومتغير.

ولهذا فإن المستهلك نفسه يمكن أن يكون شريكاً في الرقابة عندما يعرف حقوقه ويعرف كيفية تقديم الشكوى، ويحتفظ بالفاتورة أو صورة المنتج أو الإعلان أو أي دليل يساعد الجهات المختصة على التحقق من المخالفة.

كما أن للإعلام دوراً مهماً في كشف الظواهر العامة والتوعية بحقوق المستهلك، من دون تحويل التغطية الإعلامية إلى اتهام مسبق لأي جهة.

فالمبدأ القانوني الذي يجب احترامه دائماً هو أن الرقابة تكشف، والتحقيق يثبت، والقضاء يفصل.

حماية المستهلك ليست حرباً على المنتج

ينبغي أن نؤكد أن تشديد الرقابة لا يعني التضييق على المستثمر أو المنتج أو صاحب المطعم.

على العكس، المنتج الملتزم بالقانون هو أول من يستفيد من سوق منظم؛ لأنه لا ينبغي أن ينافس المنتج الجيدَ منتجٌ آخر يعتمد على الغش أو التلاعب أو خفض الجودة.

إن حماية المستهلك تعني في جوهرها حماية السوق نفسه من الممارسات التي تضر بالمنافسة الشريفة.

كلمة أخيرة

لقد وضع المشرع العراقي إطاراً قانونياً مهماً لحماية المستهلك، ومنح المواطن حقوقاً واضحة، وحظر صوراً متعددة من الغش والتدليس والتضليل والعبث بالبيانات وتواريخ الصلاحية.

لكن التحدي الحقيقي يبدأ من هنا.

نحن بحاجة إلى أن تسأل الجهات الرقابية بصورة مستمرة:

ماذا دخل إلى المصنع قبل أن يصبح منتجاً؟

هل كانت المادة الأولية صالحة للاستخدام البشري؟

ما المواد المضافة التي استخدمت؟ وهل هي مرخصة وبالنسب المسموح بها؟

ما مصدر اللحوم والمواد الغذائية التي تقدم في المطاعم؟

هل أدوات ومعدات إعداد الطعام آمنة ومناسبة للاستخدام الغذائي؟

ما المواد التي تدخل في صناعة الحلويات والمعجنات؟

هل تاريخ الصلاحية المطبوع على العبوة هو التاريخ الحقيقي؟

وهل توجد حالات لإعادة تغليف منتجات قديمة بأغلفة جديدة وتواريخ جديدة؟

هذه الأسئلة يجب ألا تبقى في إطار المقالات الصحفية أو أحاديث المواطنين، بل ينبغي أن تتحول إلى محاور ثابتة في خطط التفتيش والرقابة والفحص المختبري.

فالمستهلك العراقي لا يطلب امتيازاً عندما يريد غذاءً آمناً، ولا يطلب معروفاً عندما يريد معرفة حقيقة ما يشتريه.

إنه يطالب بحقه.

والدولة التي تحمي المستهلك لا تحمي معدته فقط، وإنما تحمي صحته وماله وكرامته وثقته بالقانون.

ولهذا فإن المعيار الحقيقي لنجاح قانون حماية المستهلك ليس أن نجد نصوصاً جميلة في صفحات التشريع، وإنما أن يستطيع المواطن أن يضع طعامه على مائدته وهو مطمئن إلى أن الجهات المختصة قامت بواجبها قبل أن يصل هذا الطعام إليه.

 

باحث دكتوراه في القانون العام . وحقوق الانسان


مشاهدات 20
الكاتب حيدر جاسب عريبي البهادلي
أضيف 2026/09/13 - 3:29 PM
آخر تحديث 2026/09/14 - 12:01 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 3 الشهر 22356 الكلي 16554876
الوقت الآن
الإثنين 2026/9/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير