هاشتاك الناس
كباب عراقي مزدوج الجنسية
ياس خضير البياتي
الفوضى في العراق لم تعد مجرد عنوان عابر في نشرات الأخبار، بل تحوّلت إلى بنية يومية تُحاصر المواطن من كل الجهات. حين يصبح الكباب نفسه موضع شك، فهذا ليس مجرد خلل في السوق، بل انعكاس لانهيار أوسع في منظومة الدولة.
الفوضى العراقية إذن ليست مجرد خلل إداري، بل أزمة ثقة شاملة: ثقة المواطن بالدولة، وثقة الدولة بنفسها، وثقة المجتمع بمستقبله. وإذا كان الكباب العراقي يحتاج إلى «شهادة حسن سيرة وسلوك»، فذلك لأن السياسة فقدت هذه الشهادة منذ زمن بعيد.
في العراق، لم يعد الخبر عن قصّابٍ يبيع لحم الخنزير البري أو لحوم الحمير والخيول والكلاب حدثًا صادمًا، بل صار جزءًا من يوميات الفوضى التي تلتهم كل شيء. كأننا أمام مسرح عبثي، حيث السياسة تزدحم بالفضائح، والمستشفيات تنهار تحت وطأة الإهمال، والسلاح يتجوّل بلا رقيب، فيما المواطن يكتفي بالدهشة الصامتة.
الكباب، الذي كان رمزًا للطمأنينة الشعبية، دخل هو الآخر في قائمة المفاجآت العراقية. السيخ الذي كان يكتفي باللحم والبصل والخبز الحار، صار اليوم يحتاج إلى شهادة جنسية وهوية أحوال مدنية وربما «حسن سيرة وسلوك»! صورة ساخرة تختصر انهيار الثقة: إذا كان المواطن لا يطمئن إلى لقمة في فمه، فكيف يطمئن إلى مستقبله؟
هكذا يتجلّى المشهد: وطنٌ تتنازعه الطوائف والأحزاب، وتنهشه الميليشيات والفساد، حتى صار المواطن يواجه شكًّا في كل شيء، من رغيف الخبز إلى سيخ الكباب. الفوضى لم تعد في البرلمان وحده، بل تسلّلت إلى السوق والمستشفى والمائدة، لتقول إن الخراب شامل، وإن الثقة ضاعت حتى في أبسط تفاصيل الحياة.
إنها حكاية بلدٍ يذبحه العبث، حيث تتحوّل الأخبار الصغيرة إلى رموز كبيرة، وحيث يصبح الكباب نفسه مرآةً لفوضى السياسة وانهيار الدولة.
الكباب صار مثل ملفات الحكومة: مكونات مجهولة، مصدر غامض، ونتيجة مشبوهة. حصان هنا، حمار هناك، خنزير في زاوية، وكلب في زاوية أخرى… وكأن السيخ نفسه ينتظر راتبًا تقاعديًا!
المشكلة ليست في الحيوان الذي دخل إلى الطبق، بل في الإنسان الذي خرج منه الضمير. كلما ارتفع سعر اللحم، انخفضت هوية اللحم، حتى صار الكباب وثيقة سياسية: كثير الكلام، قليل المضمون، مجهول الهوية.
يا لها من دولة خارقة في فنّ الغياب! دولة لا تعرف أين اختفى المال، ولا أين ذهبت المشاريع، ولا من المسؤول عن الخراب، لكنها تُبقي المواطن مشغولًا بسؤال فلسفي عظيم: هل السيخ عراقي أم مزدوج الجنسية؟
الكباب صار نسخة مصغّرة من السياسة: لحوم متناقضة لا تعرف بعضها بعضًا، مثل تحالفات الأحزاب التي لا يجمعها سوى المصلحة. الأرقام الاقتصادية جميلة على الورق، لكنها فارغة مثل رغيف بلا لحم. أما المشاريع، فهي تُعلن قبل أن تولد، مثل كباب يُشوى على نارٍ بلا فحم.
الحقيقة نفسها صارت مثل الكباب: مفرومة جيدًا، مشوية على نار الشائعات، ومقدَّمة للمواطن ساخنة كوجبة فساد يومية. وهكذا، صار سيخ الكباب وثيقة سياسية، والطبق ملفًا أمنيًا، والكباب مرآةً ساخرة تكشف حجم الفوضى العراقيةبختم العبث والخراب.
يا لها من كوميديا سوداء!
يقول أحد الخبثاء إن سرّ الشخصية العراقية كامن في الكباب: يأكل لحم الحمار فينسى مصائبه وينتخب من سرقه، يأكل لحم الكلاب فيتعارك في الشوارع، يأكل لحم الخنزير فيرى كل شيء ويسكت، ويأكل لحم الحصان فيركض وراء الفساد والمصالح.
لكن الحقيقة أكثر مرارة: الحيوانات بريئة من هذه التهم، فالحمار لا ينتخب، والكلب لا يسرق، والحصان لا ينافق، والخنزير لا يدّعي محاربة الفساد. المشكلة ليست في اللحم، بل في الذين حوّلوا البلد كله إلى سيخ كباب: خلطوا كل شيء، أشعلوا النار تحته، ثم طلبوا من الشعب أن يأكل ويسكت.
وهكذا، إذا أردنا أن نعرف سرّ الشخصية العراقية، فلا نفحص الكباب… بل نفحص السيخ الذي شوَى العراق، حيث حتى اللقمة صارت وثيقة ساخرة تكشف حجم الفوضى العراقية.
نحن لا نريد أن نعرف هل الكباب من حصان أو حمار أو غيرهما. نريد فقط أن نعرف: من الذي حوّل حياتنا كلها إلى كباب؟
كل شيء مفروم. كل شيء مخلوط. كل شيء على النار. والشعب…هو الذي يُشوى. المشكلة ليست في اللحم… المشكلة في الذين فرموا البلد، وخلطوا كل شيء، ووضعوه على النار، ثم أقنعونا أن الطبق اسمه وطن.
وهكذا صار الكباب يصنع الشخصية العراقية!
لكن الحيوانات بريئة، لأن المشكلة ليست في الكباب. بل في الذين فرموا العراق.
صار المواطن العراقي، قبل أن يأكل، يحتاج إلى ثلاثة أشياء: مختبر. ومحقق جنائي. وشاهد عدل...وإلا سيستمر الشعب في انتخاب الحمير!
yaaas@hotmail.com