واقع الاستثمار السياحي في إقليم كوردستان العراق
غريب علي سلیم
طالب دكتوراة: جامعة السليمانية
مقدمة:
تستلزم التنمية الاقتصادية المعاصرة وسعي إقليم كردستان للفكاك من أسر الأحادية المصدرية للإيرادات المعتمدة على النفط، الاهتمام الجاد بالقطاعات غير النفطية التي تمتلك القدرة التشغيلية على توليد فرص العمل وجذب رؤوس الأموال. وفي هذا السياق، يعد القطاع السياحي خيارا استراتيجيا وطنا فاعلا، يتوقف نجاحه على وجود إطار قانوني صلب ومحفز للاستثمار. وبناء على هذا المنطلق، أصيغ قانون الاستثمار في إقليم كردستان برؤية متميزة تمنح القطاع السياحي معاملة استثنائية وخاصة؛ ففي الوقت الذي تقتصر فيه الحوافز والدعم في معظم القطاعات الصناعية والتجارية على المراحل التأسيسية الأولى، يحظى القطاع السياحي بدعم واستدامة قانونية مستمرة. ويعكس هذا الاستناد القانوني المتواصل الرؤية الجوهرية لحكومة الإقليم في تقديم التحفيز الشامل لضمان تنمية سياحية مستدامة.
وتتجلى الميزة الحقيقية لهذا القانون في منح المشاريع السياحية (كالفنادق، القرى السياحية، الكورنيش، والمدن الترفيهية) الحق في الاستفادة من الإعفاء من الرسوم الجمركية لاستيراد المعدات والمستلزمات دوريا كل ثلاث سنوات. وحيث إن مفاهيم التحديثو"التجديد" تشكل المرتكزات الأساسية للبقاء والاستمرارية في سوق التنافسية لـ صناعة الضيافة، فإن هذا البند القانوني يسهم بشكل مباشر في خفض التكاليف الاستثمارية والحفاظ على مستوى مرتفع من جودة الخدمات المقدمة.
أولا: نمو القطاع السياحي والصدارة في السوق الاستثماري:
شكلت الحوافز والدعم القانوني، إلى جانب تهيئة البيئة الاستثمارية الملائمة، العوامل الأساسية في قطع القطاع السياحي بإقليم كوردستان شوطا متقدما. ووفقا للبيانات والمؤشرات الإحصائية المتاحة على مستوى المحافظات والإدارات المستقلة للفترة الممتدة من عام (2019) وحتى عام (2024)، فقد استكمل ما مجموعه (80) مشروعا سياحيا ضخما، بإجمالي رؤوس أموال واستثمارات بلغت (7,555,305,348) دولارا أمريكيا. وتؤكد هذه الأرقام والبيانات الصريحة تبوؤ رؤوس الأموال المستثمرة في القطاع السياحي المرتبة الأولى بنسبة (38.7%)، متقدمة بذلك على كافة القطاعات الاستثمارية الأخرى في الإقليم. وبناء عليه، حصد القطاع السياحي بمفرده زهاء (14%) من إجمالي المشاريع الاستثمارية المنفذة في إقليم كوردستان، مما يعكس الحجم الحقيقي والوزن الاستراتيجي لهذا القطاع على الخارطة الاقتصادية للإقليم.
ثانيا: الخارطة الجغرافية لتوزيع تراخيص ورؤوس الأموال الاستثمارية:
ولإدراك كيفية توجيه ورسم مسار هذه رؤوس الأموال الضخمة، تظهر بيانات هيئة الاستثمار في حكومة إقليم كوردستان على مستوى المحافظات والإدارات المستقلة واقع الخدمات وحجم الاستثمار وفق النحو الآتي:
1. محافظة أربيل: تأتي في المرتبة الأولى محتلة حصة الأسد بواقع (110) تراخيص استثمارية، وبإجمالي رؤوس أموال بلغت (10,220,815,101) دولارا أمريكيا، على مساحة إجمالية قدرت بـ (5152) دونما؛ مما يعكس تركيزا استثماريا وهيكليا كبيرا في العاصمة.
2. محافظة دهوك: شهدت قفزة ملحوظة في عدد التراخيص الممنوحة، حيث حلت في المرتبة الثانية بواقع (73) ترخيصا استثماريا على مساحة (776) دونما، غير أن حجم رؤوس الأموال المستثمرة فيها جاء منخفضا بنسبة كبيرة، إذ لم يتجاوز (63,613,560) دولارا أمريكيا. وتفصح هذه المعادلة عن مفارقة تحليلية لافتة؛ ففي حين تتفوق دهوك على السليمانية من حيث الكم وعدد المشاريع، إلا أنها تتأخر عنها من حيث الكيف وطبيعة المشاريع، مما يؤكد أن غالبية المشاريع المنفذة في دهوك هي مشاريع صغيرة إلى متوسطة الحجم.
3. محافظة السليمانية: تأتي بعد أربيل بواقع (23) ترخيصا استثماريا، إلا أن حجم رؤوس أموالها المستثمرة يعد أعلى بكثير مقارنة بمحافظة دهوك، حيث يصل إلى (1,607,880,605) دولارا أمريكيا على مساحة (2311) دونما؛ وهو ما يشير بوضوح إلى النزوع نحو إنشاء مشاريع استراتيجية وحيوية ذات طابع ضخم في المحافظة.
4. الإدارات مستقلة (سوران وزاخو): تمتلك إدارات سوران (9) تراخيص استثمارية بإجمالي رأس مال بلغ (194,811,326) دولارا أمريكيا على مساحة (819) دونما، فيما سجلت إدارة زاخو المستقلة مستويات جيدة بواقع (23) ترخيصا استثماريا ورأس مال قدره (138,490,450) دولارا أمريكيا على مساحة (1181) دونما.
5. الإدارات مستقلة (کرميان و رابرين): تمتلك إدارة کرميان (6) تراخيص استثمارية بإجمالي رأس مال قدره (13,526,205) دولارا أمريكيا على مساحة (10) دونمات، في حين سجلت إدارة رابارين (2) ترخيص استثماري برأس مال بلغ (11,724,384) دولارا أمريكيا على مساحة (12) دونما.
6. محافظة حلبجة: تعد في أدنى المستويات الاستثمارية، حيث لم تسجل سوى (1) ترخيص استثماري واحد برأس مال قدره (1,558,425) دولارا أمريكيا على مساحة لا تتجاوز (2) دونم فقط.
الاستنتاج:
تفصح هذه المعادلة وهذا التوزيع الجغرافي عن امتلاك القطاع السياحي قدرة استثنائية على جذب رؤوس الأموال الاستثمارية (والتي ناهزت زهاء 39% من إجمالي الاستثمارات المنفذة)؛ غير أن التباين الشديد والفجوة الكبيرة بين المحافظات (ولا سيما تراجع حجم المشاريع في حلبجة، کرميان، رابارين) يتطلبان إعادة صياغة الخارطة الاستثمارية بشكل جوهري. ولتسخير التنمية السياحية كمحرك اقتصادي شامل يلقي بظلاله على كافة شرائح المجتمع، يتوجب إلى جانب الإعفاء الجمركي الدوري كل ثلاث سنوات— تقديم حوافز وتسهيلات خاصة للاستثمارات الموجهة نحو المناطق الأقل دخلا والمناطق النائية. يرافق ذلك اشتراط تشغيل القوى العاملة المحلية وإدماج الخريجين الشباب كمرتكز رئيسي، لضمان حماية قانون الاستثمار لرؤوس الأموال من جهة، وتحقيقه للعدالة الجغرافية والاقتصادية في عموم إقليم كردستان من جهة أخرى.