صوتان للدولة.. إدانة السائق وتأجيل الترسانة
كاظم نزار الركابي
في الحادي والثلاثين من آذار، توقفت سيارة فضية في شارع السعدون وسط بغداد. دفع مسلحون امرأةً إلى داخلها في وضح النهار، وانطلقوا. لم تكن شيلي كيتلسون تحمل سلاحًا ولا تتولى منصبًا؛ كانت صحفية أميركية تحمل دفترها وأسئلتها في مدينة عاشت فيها وكتبت عنها. بقيت نحو أسبوع في قبضة كتائب حزب الله، ثم أُطلقت في السابع من نيسان، قبل ساعات من إعلان الهدنة بين واشنطن وطهران.بعد خمسة أشهر، عادت السيارة إلى المشهد من بوابة المحكمة. صدر الحكم بالسجن خمسة عشر عامًا بحق أمير رحيم جبار لازم، بعدما أدانته المحكمة الجنائية المركزية، بموجب قانون مكافحة الإرهاب، بتقديم السيارة المستخدمة في الاختطاف وقيادتها. وأكد مصدر في كتائب حزب الله أن المحكوم أحد عناصرها.
كان الحكم ثقيلًا بقدر ما كانت الواقعة فادحة. إدانة نادرة ومعلنة لعنصر ينتمي إلى فصيل نافذ، في بلد اعتاد أن تبدأ فيه المواجهة مع السلاح باعتقال صاخب، وتنتهي بإطلاق صامت. هذه المرة وصل الملف إلى قاضٍ، وتحولت السيارة من أداة خطف إلى دليل إدانة، وخرج المتهم من قاعة المحكمة محكومًا بسجن طويل.
الحكمُ قال شيئًا آخر لم يكتبه القاضي.
صوتٌ حاسم وصوتٌ حذر
قبل صدور الحكم بأيام، أزاحت الحكومة الموعد الذي ارتبط بحسم سلاح الفصائل. فالثلاثون من أيلول الذي قُدِّم في الخطاب السياسي بوصفه نهايةً للسلاح خارج الدولة، أُعيد تعريفه موعدًا لإنهاء مهمة التحالف الدولي، فيما تُرك حصر السلاح لمسار يبدأ بعده ولا يحمل تاريخًا لنهايته.
هكذا خرج صوتان من بغداد في أسبوع واحد. صوت القضاء حاسم، يضع فردًا تحت حكم القانون خمسة عشر عامًا. وصوت السياسة حذر، يضع ترسانة كاملة تحت حكم التفاوض المفتوح. الأول يمتلك نصًا وقرارًا وعقوبة؛ والثاني يمتلك لجنةً وحوارًا وموعدًا انسحب من موعده.
لا ينقص هذا التباين من قيمة الحكم، ولا يمنح السياسة حق الاحتماء به. القضاء أنجز وظيفته في قضية محددة، والخطر يبدأ حين تحمل السلطة السياسية هذا الإنجاز أكثر مما يحتمل، وتقدمه شاهدًا على سيادة لم تنجز شروطها البنيوية بعد.
هنا تولد ظاهرة تستحق اسمها: السيادة التعويضية.
تنشأ حين تحقق إحدى مؤسسات الدولة فعلًا قانونيًا مكتملًا، فتستعيره السياسة لتعويض فعل أكبر غائب. لا يكون الإنجاز زائفًا، ولا تكون العقوبة بلا أثر؛ يتحول الجزء إلى صورة عن الكل، ويُدفع الحكم الفردي إلى الواجهة كي يحجب اتساع الترسانة التي بقيت خلفها.
الدولة تمسك السائق، وتفاوض الجهة التي وضعت السيارة في الشارع.
قوةٌ محسوبة
لا يحتاج الحكم إلى نظرية مؤامرة كي يحمل أثرًا سياسيًا. الضحية أميركية، والجريمة وقعت في أثناء حرب إقليمية، وواشنطن تراقب قدرة بغداد على إخضاع الجماعات التي استهدفت مصالحها ومواطنيها. لذلك تجاوز صدى الحكم أسوار المحكمة، وقدّم إلى الخارج صورة دولة تستطيع الاعتقال والمحاكمة والعقاب.
السيادة لا تُقاس بالصورة وحدها. امتحان هذا الحكم يبدأ حين يتكرر مع ضحية عراقية، وحين تصل يد العدالة إلى من أصدر الأمر مثلما وصلت إلى من قاد السيارة، وحين تصير حماية الصحفي العراقي والناشط والباحث حقًا تضمنه الدولة بالقوة نفسها التي تحركت بها في قضية حملت كلفة دولية.
كانت إدانة الفرد أقل كلفة من إخضاع التنظيم، فيما كان أثرها الخارجي أكبر من حدودها القانونية. وبدا الناتج السياسي مُعايرًا بدقة صانع الساعات: رسالة كبيرة خرجت من قضية محددة، ومخاطرة مضبوطة توقفت عند عنصر واحد. عوقب الفعل، وبقيت القدرة التي أنتجته موضع تفاوض.
هذه ليست سيادة مكتملة؛ إنها تعويض عن المسافة التي عجزت الدولة عن عبورها.
لا عيب في أن تفاوض الحكومة حين يهدد الصدام السلم الأهلي. الدولة العاقلة تقيس قوتها بقدرتها على بلوغ غايتها بأقل كلفة وطنية، لا بعدد المعارك التي تخوضها. الخلل يبدأ حين يتحول التفاوض من طريق إلى الحسم إلى بديل دائم عنه، وحين يغادر الموعد رزنامة الدولة من دون أن يدخل مكانه برنامج معلن يحدد السلاح المشمول، وما تسلّمته الدولة منه، ومصير التشكيلات الرافضة، والقانون الذي سيحكم اليوم التالي.
المهلة التي تنتهي بلا نتيجة لا تؤجل الأزمة وحدها؛ إنها تعلّم الطرف المسلح أن الزمن يعمل لمصلحته، وأن الدولة ترفع سقفها في البداية كي تفاوض لاحقًا على نصفه. وجاء ليل السبت ـ الأحد ليمنح التأجيل محضرًا سياسيًا. اجتمع “ائتلاف إدارة الدولة” في القصر الحكومي، فناقش استكمال الحكومة والنفط والاستثمار والأرض، وحذّر من ارتداد العقوبات الأميركية على إيران؛ لكنه لم يذكر حصر السلاح.
الملف الذي تصدّر خطاب السيادة غاب عن بيان المظلّة الحاكمة. لم يعد الصوت الثاني حذرًا وحده؛ صار الصمت نفسه موقفًا. وحين تغيب الترسانة عن جدول من يملكون القرار، لا يعود التأجيل استنتاجًا يلتقطه المحلّل، بل سياسة تكشفها المساحة البيضاء في البيان.
سيادة الاسم وسيادة الممر
خارج ملف السلاح، ظهرت السيادة التعويضية في صورة أخرى. استدعت وزارة الخارجية السفير الإيراني احتجاجًا على خرائط وتسميات مست الهوية الجغرافية والتاريخية للعراق ودول المنطقة. كان الاحتجاج مشروعًا؛ فالدولة التي تتساهل في اسمها تفتح الباب لمن يتساهل في حدودها.
وفي الغرفة الإقليمية المجاورة، كانت إيران وسلطنة عُمان تبحثان إنشاء ممر ملاحي مؤقت عبر مضيق هرمز، ثم دخلت قطر على خط التشاور. العراق، شديد الانكشاف على المضيق، لم يظهر في البيانات المعلنة طرفًا في هندسة الممر.
ثم جاء خبر الأحد ليمنح الصورة رقمًا لا استعارة. بلغت صادرات العراق ثلاثة ملايين برميل يوميًا مطلع أيلول، بعدما أفادت مصادر في القطاع بأن إيران وافقت على مرور ناقلاته عبر هرمز. امتلك العراق النفط، ولم يمتلك منفذه كاملًا؛ ارتفع رقم الصادرات، وبقي مفتاح الطريق في يد أخرى. هنا لا تعود سيادة الممر سؤال غياب عن البيانات، بل سؤال إذن بالعبور.
السيادة ليست بيان احتجاج وحده، مثلما أنها ليست حكمًا قضائيًا واحدًا. إنها قدرة الدولة على حماية الاسم والطريق معًا؛ على إدانة السائق ومنع التنظيم من إرسال سيارة أخرى؛ وعلى امتلاك النفط وامتلاك منافذه إلى العالم.
ثمن التعويض
للسيادة التعويضية إغراء كبير. تمنح الحكومة إنجازًا قابلًا للعرض، وتمنح الخارج دليلًا على النية، وتؤجل مواجهة تخشى كلفتها. الترسانة تقرأ الرسالة على حقيقتها. إنها ترى دولة تعاقب الفرد، وتُرجئ إخضاع البنية التي تحميه وتستبدله.
الثلاثون من أيلول ليس امتحان انسحاب خارجي فحسب؛ إنه امتحان لما سيملأ الفراغ بعده. فإذا خرج التحالف وبقيت مراكز القرار المسلح، يكون العراق قد استبدل وجودًا أجنبيًا معلنًا بسلطات داخلية لا تخضع كاملة لأمره. وإذا تحول الحكم الفردي إلى بداية مسار مؤسسي، وانتقل التفاوض من إدارة الوقت إلى استرداد القرار، تصير الإدانة لبنةً في سيادة حقيقية، لا تعويضًا عنها.
في شارع السعدون، أوقف الأمن سائق السيارة يومها، وحسم القانون مصيره بعد خمسة أشهر. وتكتمل الدولة يوم لا تستطيع أي جهة أن تشغّل محرك سيارة مماثلة، ثم تجلس معها الحكومة لتفاوضها على حق إطفائه.