الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
كلمة زين بميزان عراقي ومعيار ألماني الانطباع الشخصي والمنظومة المؤسسية

بواسطة azzaman

كلمة زين بميزان عراقي ومعيار ألماني الانطباع الشخصي والمنظومة المؤسسية

محمد فخري المولى

 

عام دراسي يتجدد في العراق الطقوس ذاتها لاستقبال الموسم الدراسي  الحقائب والقرطاسية وتستعد العائلات لدفع أبنائها نحو مقاعد العلم

بأمل يمتد نحو مستقبل أفضل مع تعالي صوت الجرس الأول وانتظام الاصطفاف الصباحي تتردد في الأوساط الشعبية العبارة الأكثر تداولاً وحرصا

نريد مدرسة زينة ومدرسين زينين.

من زين إلى مفهوم الجودة

في الثقافة العراقية كلمة زين ليست مجرد وصف عابر

زين طريقة سريعة للحكم على الأشياء والأشخاص

هذه المفردة تختصر انطباعاً عاماً بالرضا والثقة

لكنها تظل في كثير من الأحيان

حكماً شخصياً لا يرتبط بالضرورة بمعايير محددة يمكن قياسها

لستوقفنا المفردة البسيطة في ظاهرها والعميقة في دلالاتها ومنها التربوية

إذ تتلخص من خلالها نظرة المجتمع العراقي لجودة التعليم عبر المعيار الانطباعي المتمثل بكلمة زين

أي الجيد أو المتميز

غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة هذا الوصف الفردي على بناء بيئة تعليمية مستدامة.

الفجوة المفاهيمية

تتجلى هذه الفجوة المفاهيمية في تجربة حيّة أطلعنا عليها صديق عراقي مغترب من ألمانيا عاش تفاصيلها خلال رحلة تنقّل بين المدن الألمانية برفقة مواطن مقيم

كان السؤال التقليدي يتردد

عند كل موقع او محطة

هل هذه المدينة زينة

هل الامن زين

هل التعامل زين

هل الخدمات زينة

هل المستشفيات زبنة

هل الاطباء زينين

هل المدارس زينة

هل المدرسين زينين

وهل وهل وهل

كانت الإجابة في الغالب

كلمة واحدة زين.

بدت الكلمة وكأنها قاموس عراقي سريع لتقييم الحياة من حوله

لكن... وما أدراك ما لكن

لماذا اختلف معنى زين فجاة؟

معنى زين اكتسب بعداً مختلفاً

عندما تعطلت السيارة التي كانت تقلهما في إحدى المدن الألمانية

وُوجه هذا النمط من الاستفهام

عندما سألوا عن ميكانيكي زين

لمواطن الماني كان حاضراً

لم يفهم المقصود من المفردة تماماً

وسأل عن المعايير والصفات التي يجعل الميكانيكي جيداً او زين او

المعنى الدقيق والمحدد للمطلوب؟

بايضاح سريع

الميكانيكي هنا يمارس عمله وفق معايير مهنية تخضع للرقابة والمساءلة

تكمن الإجابة التي قدمت للمغترب

ان هناك فارق بين الانطباع الشخصي والمؤسسي.

 

هنا تكمن النقطة الأهم في الحكاية

لم تكن المسألة مجرد اختلاف

في معنى كلمة

إنما اختلاف في طريقة النظر إلى العمل والاداء والانجاز والجودة

الزين ليس شخصاً فقط.. بل منظومة

في التصور الانطباعي قد يكون الزين

هو الشخص الذي نثق به أو المكان الذي ارتحنا إليه أو الخدمة التي وجدناها جيدة،

أما في التصور المؤسسي

فالجودة لا تتوقف على حسن الشخص وحده بل ترتبط بمنظومة تضع معايير واضحة وتحدد المسؤوليات وتراقب الأداء والانجاز وتتيح التقييم والمساءلة،

الجودة في التجارب الناحجة كالتجربة الألمانية لا تُترك لتقديرات أفراد أو حُسن الحظ...

الأمن ليس استثنائياً بل نتيجة منظومة قانونية صارمة معززة بقوة القانون

الميكانيكي يمارس عمله وفق معايير مهنية تخضع للرقابة والمساءلة،

كذلك الحال في المؤسسة التعليمية

فالتعليم لا يعتمد على

اجتهاد معلم استثنائي أو مدير مجتهد بمفرده بل هو نتاج منظومة متكاملة تتشابك فيها المناهج الحديثة والتدريب المستمر والتقييم الموضوعي والبيئة المدرسية المحفزة والدعم الأسري.

 

 جوهر المقارنة

المدرسة الزينة تبدأ من النظام المُحكم

عندما نردد في العراق

مدرسة زينة.. ومدرسين زينين

فنحن نعبر عن أمنية طبيعية ومشروعة

مدرسة جيدة، معلم كفوء،

إدارة ناجحة، بيئة تعليمية مناسبة، ومخرجات تعليمية تلبي احتياجات الطالب والمجتمع.

 

إن الانتقال بالعملية التربوية في العراق لمعايير الأداء والجودة يستوجب التحول من ثقافة الأشخاص إلى ثقافة النظام

فعندما يصبح النظام المؤسسي

هو الأساس، تتحول الجودة من حالة فردية نادرة إلى قاعدة عامة وثابتة

ويصبح المعلم الكفء جزءاً طبيعياً من بيئة تدعمه وتحميه.

ان إعادة بناء التعليم لا تتطلب نقل التجارب الغربية بنصيتها

بل تمثُّل فلسفتها القائمة على حوكمة الجودة وحينها فقط

لن نكون بحاجة للتسائل المعتاد عن جودة هذا المعلم أو تلك المدرسة

لأن المخرجات التعليمية وثقة المجتمع ستكون الشاهد والأثر.

التعليم منظومة متكاملة تشترك فيها الإدارة والمعلم والطالب والأسرة والمناهج والتقييم والتدريب والبنية المدرسية والتشريعات والرقابة والموارد وثقافة المجتمع.

المعلم جزء أساسي من هذه المنظومة لكنه ليس المنظومة كلها

والمدرسة ليست بناية وصفوفاً وجرساً صباحياً إنها مؤسسة تربوية يفترض أن تعمل وفق معايير واضحة تجعل الجودة مستمرة، لا مرتبطة بالمصادفة أو بالاجتهاد الشخصي

فإذا صلحت المنظومة أصبح المعلم الجيد جزءاً طبيعياً من المشهد وأصبحت المدرسة الجيدة نتيجة متوقعة لا صدفة سعيدة

لا عمل استثنائي فحسب ولا معلماً متميزاً لأنه يجتهد وحده

بل نريد نظاماً يجعل الجودة قاعدة مستمرة يمنح فيها المعلم فرص التطوير ويحمي الطالب ويدعم الإدارة ويشرك الأسرة ويضع معايير واضحة للمسائلة.

ألمانيا لا تقدم لنا وصفة جاهزة لنقلها كما هي فلكل مجتمع ظروفه وتاريخه. لكنها تقدم لنا الفكرة الأساس

جودة التعليم لا تُبنى بكلمة زين نرددها بل بمنظومة تجعل الزين هو الأمر الطبيعي والمستدام.

إن تجربة التعليم الرصين لا تعتمد على المصادفات أو الاجتهادات الفردية،

بل على نظام مؤسسي يجعل الجودة خياراً ثابتاً وشاملاً

وهو ما نأمل أن تتجه إليه مؤسساتنا التربوية لبناء مستقبل أفضل لأجيالنا.

 


مشاهدات 36
الكاتب محمد فخري المولى
أضيف 2026/09/08 - 3:29 PM
آخر تحديث 2026/09/08 - 11:47 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1683 الشهر 13557 الكلي 16546077
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير