الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الوظيفة الحكومية من التعيين إلى الكفاءة

بواسطة azzaman

إصلاح الدولة العراقية.. إدارة الأزمات وبناء المستقبل (6)

الوظيفة الحكومية من التعيين إلى الكفاءة

سامي العسكري

 

بعد أن حاولنا في الحلقات السابقة تشخيص بعض أوجه الخلل في بنية الدولة والوظيفة العامة، ننتقل من هذه الحلقة إلى السؤال الأصعب: كيف يبدأ الإصلاح؟

الإصلاح لا يتحقق بقرار واحد، ولا بتشريع واحد. فهو يتطلب، إلى جانب إعادة النظر في فهمنا لطبيعة الوظيفة الحكومية ومهمتها، مجموعة من التشريعات والتعليمات والإجراءات التي تترجم هذا الفهم إلى واقع. لكنه يحتاج أيضاً إلى ما قد يكون أصعب من تغيير القوانين: تصحيح فهم ترسخ في المجتمع عبر عقود لطبيعة العلاقة بين المواطن والدولة.من بين أكثر هذه المفاهيم رسوخاً الاعتقاد بأن الوظيفة الحكومية حق طبيعي لكل مواطن، وأن حصول الشاب على شهادة جامعية يرتب على الدولة التزاماً بتعيينه، أو أن معالجة البطالة تعني بالضرورة استيعاب العاطلين عن العمل في مؤسساتها.العمل حق، أما الوظيفة الحكومية فشيء آخر. فهي ليست منحة اجتماعية، ولا وسيلة لتوزيع جزء من إيرادات الدولة على المواطنين، وإنما حاجة تنشأ عندما تكون لدى مؤسسة من مؤسسات الدولة مهمة تحتاج إلى من يؤديها. وعندها يصبح المطلوب اختيار الشخص الأكثر قدرة وكفاءة على أداء تلك المهمة.ومن هنا نبدأ مناقشة مسارات الإصلاح في ملفات متتابعة، يأخذ كل منها ما يستحقه من النقاش. ونبدأ بالوظيفة الحكومية نفسها.

الحاجة تسبق التعيين

القاعدة الأولى في أي إصلاح للوظيفة العامة هي أن التعيين يبدأ من حاجة المؤسسة، لا من وجود أشخاص يبحثون عن وظيفة.

حين تحتاج وزارة أو هيئة أو مؤسسة حكومية إلى موظفين، ينبغي أن تحدد عدد الوظائف التي تحتاج إليها، والوصف الوظيفي لكل منها، والمؤهلات والخبرات والمهارات المطلوبة ممن سيشغلها. فلا يكفي أن تقول مؤسسة ما إنها تحتاج إلى مئة موظف، بل عليها أن تحدد ما المهام التي سيقومون بها، وما المؤهلات التي تتطلبها كل مهمة.

بهذا يتغير السؤال من: كم شخصاً تستطيع الدولة أن تعيّن؟ إلى: كم شخصاً تحتاج المؤسسة فعلاً، وما المؤهلات والمواصفات التي ينبغي أن تتوافر فيهم؟

لكن ثبوت الحاجة لا يعني الانتقال مباشرة إلى التعيين. فقبل أن تضيف الدولة موظفاً جديداً إلى جهازها، عليها أن تسأل: هل يوجد داخل هذا الجهاز من يستطيع سد هذه الحاجة؟

موظفو الدولة جهاز واحد

اعتدنا التعامل مع موظفي الوزارات والهيئات وكأنهم ينتمون إلى مؤسسات منفصلة، حتى أصبح من الممكن أن تعاني مؤسسة نقصاً في تخصص معين، بينما توجد في مؤسسة أخرى أعداد تزيد على حاجتها، وربما يكون بين هؤلاء من يمتلك المؤهلات المطلوبة أو يستطيع اكتسابها بالتدريب.

الإصلاح يقتضي تغيير هذه النظرة، والتعامل مع موظفي الدولة باعتبارهم جزءاً من جهاز تنفيذي واحد. فالموظف العام يعمل للدولة، وإن كان موقع عمله في وزارة أو هيئة معينة.

ولهذا ينبغي، قبل الموافقة على أي تعيين جديد، البحث أولاً في إمكانية سد حاجة المؤسسة من الموظفين الموجودين في مؤسسات أخرى. وإذا لم يتوافر الموظف بالمؤهلات المطلوبة بصورة مباشرة، يمكن النظر في إعادة تأهيل موظفين قائمين وتدريبهم للقيام بالمهمة الجديدة.

وبذلك يصبح النقل وإعادة التأهيل سابقين على التعيين، ولا تلجأ الدولة إلى إضافة موظفين جدد إلا عندما يتبين أن حاجتها لا يمكن تلبيتها من مواردها البشرية الموجودة أصلاً.

هذه السياسة لا تعني أن يصبح الموظف الذي يعمل في مؤسسة لديها فائض ضحية للإصلاح، وإنما تعني الاستفادة من قدراته في مكان آخر يحتاج إليه. فالإصلاح لا يبدأ بالاستغناء عن الناس، وإنما بحسن استخدام الموارد البشرية التي تمتلكها الدولة قبل إضافة المزيد إليها.

المؤسسة تحدد حاجتها ولا تختار موظفيها

ثمة مبدأ آخر لا يقل أهمية: الفصل بين الجهة التي تحدد الحاجة إلى الوظيفة والجهة التي تختار الشخص الذي يشغلها.

الوزارة أو الهيئة هي الأقدر على تحديد احتياجاتها: عدد الموظفين، وطبيعة الوظائف، والوصف الوظيفي، والمؤهلات المطلوبة.

أما عملية اختيار من يشغل هذه الوظائف، فتنتقل إلى مجلس الخدمة الاتحادي.

يبحث المجلس أولاً في إمكانية سد الحاجة من داخل الجهاز الحكومي بالنقل أو إعادة التأهيل. فإذا تعذر ذلك وثبتت الحاجة إلى تعيين جديد، يتولى الإعلان عن الوظيفة، واستقبال طلبات المتقدمين، وإجراء الاختبارات والمقابلات، واختيار الأصلح وفق معايير واضحة ومعلنة.

ويمكن اختصار هذا المبدأ بقاعدة بسيطة: المؤسسة تحدد الوظيفة التي تحتاج إليها، لكنها لا تحدد الشخص الذي يشغلها.الفصل بين الأمرين يضيّق مساحة التدخلات التي أضرت بالوظيفة العامة طويلاً، سواء جاءت من داخل المؤسسة نفسها أو من القوى السياسية وأصحاب النفوذ. فكلما كان الوصف الوظيفي محدداً، والمنافسة مفتوحة، والاختيار بيد جهة مستقلة عن المؤسسة المستفيدة، أصبحت الكفاءة أقرب إلى أن تكون المعيار الفعلي للتعيين.وهذا يستدعي تطوير دور مجلس الخدمة الاتحادي نفسه. فالمطلوب ألا يكون مجرد جهة مركزية لإدارة التعيينات، بل جهة تدير الموارد البشرية للدولة بصورة شاملة، تمتلك قاعدة معلومات عن أعداد الموظفين وتخصصاتهم ومهاراتهم، وتعرف أين يوجد الفائض وأين يوجد النقص، وما الاحتياجات التي يمكن تلبيتها بالنقل أو التدريب، وما الذي يتطلب تعييناً جديداً بالفعل.

الكفاءة لا تنتهي عند باب التعيين

اختيار الشخص المناسب عند دخوله الوظيفة لا يكفي إذا كان النظام الذي ينتظره بعد ذلك لا يميز بصورة حقيقية بين من يعمل ومن لا يعمل، وبين من يطور قدراته ومن يكتفي بمرور السنوات.ولهذا ينبغي أن يمتد الإصلاح إلى نظام الترفيع والترقية. فمرور عدد معين من السنوات في الوظيفة لا ينبغي أن يكون وحده سبباً كافياً للانتقال إلى درجة أعلى أو تولي مسؤولية أكبر.

للأقدمية قيمتها، والخبرة التي تتراكم عبر السنوات لا يمكن تجاهلها، لكنها ليست مرادفاً للكفاءة. فقد يمضي موظف سنوات طويلة في موقعه من دون أن يطور أداءه، بينما يثبت آخر خلال مدة أقصر قدرة أكبر على الإنجاز وتحمل المسؤولية.

لذلك ينبغي أن يرتبط التقدم في المسار الوظيفي بالأداء والكفاءة والتأهيل والاستعداد لتحمل مسؤوليات أعلى، إلى جانب الخبرة. وهذا يتطلب نظاماً حقيقياً لتقييم الأداء، لا إجراءً روتينياً يحصل فيه الجميع تقريباً على تقديرات متشابهة، فتفقد عملية التقييم معناها. وفي هذا السياق، من الضروري أيضاً إعادة النظر في ما يعرف في مؤسسات الدولة بـ«كتب الشكر والتقدير». فالأصل في كتاب الشكر أن يكون تكريماً معنوياً لموظف قدم جهداً استثنائياً أو أنجز عملاً يتجاوز ما تقتضيه واجباته المعتادة، لا أن يتحول إلى وسيلة لتسريع الترفيع أو الترقية وتحقيق منفعة مادية.الموظف يتقاضى راتباً مقابل أداء واجبات وظيفته، ولذلك لا ينبغي أن يصبح قيامه بعمله المعتاد سبباً لمكافأة إضافية تؤثر في مساره الوظيفي. وتصبح المشكلة أكبر حين لا تخضع كتب الشكر لمعايير موحدة، وإنما قد يتدخل في منحها مزاج المسؤول أو العلاقات والضغوط الاجتماعية والسياسية، فيحصل عليها موظف ولا يحصل عليها آخر ربما كان أكثر كفاءة واستحقاقاً.

ليس المطلوب إلغاء كتب الشكر. فالتقدير المعنوي للموظف المتميز أمر محمود ويمكن أن يكون حافزاً على مزيد من العطاء، وإنما المطلوب ألا يترتب عليها أثر مادي أو أفضلية في الترفيع والترقية. فهذه ينبغي أن ترتبط بالأداء والكفاءة وفق معايير موضوعية تنطبق على الجميع، لا بعدد كتب الشكر التي استطاع الموظف جمعها.

وحين يعرف الموظف أن أداءه وتطوير قدراته هما ما يؤثران في مستقبله الوظيفي، وأن الترقية ليست نتيجة تلقائية لمرور الزمن أو لامتلاك مجموعة من كتب الشكر، تتغير الحوافز داخل المؤسسة نفسها. وعندها لا يعود الإصلاح مقتصراً على ضبط التعيينات، بل يبدأ في تحسين نوعية الجهاز الحكومي وقدرته على أداء وظائفه.

بداية الطريق

إصلاح الوظيفة العامة لا ينتهي عند التعيين والنقل والترقية. فهناك قضايا أخرى تتصل بالمسار الوظيفي، وبالشهادات والمؤهلات والمخصصات، وبالتقاعد والضمان الاجتماعي، وبالعلاقة بين الوظيفة الحكومية وسوق العمل. وكل منها يستحق نقاشاً مستقلاً، وسنعود إليها تباعاً في الحلقات المقبلة.

لكن البداية قد تكون في تغيير السؤال الذي حكم سياسة التوظيف طويلاً.

بدلاً من أن نسأل كل عام:

كم مواطناً تستطيع الدولة أن تعيّن؟

علينا أن نسأل:كم موظفاً تحتاج مؤسسات الدولة فعلاً؟ وما العمل الذي سيقومون به؟ وهل يوجد داخل جهازها من يستطيع القيام به؟ وإذا احتجنا إلى موظفين جدد، فمن هم الأكفأ لشغل هذه الوظائف؟

قد يبدو الفرق بين السؤالين بسيطاً، لكنه في الحقيقة الفرق بين أن يكون التوظيف الحكومي وسيلة لمعالجة البطالة وتوزيع الدخل، أو أن يكون أداة لبناء دولة قادرة على أداء وظائفها.

 

  كاتب عراقي مهتم بقضايا الدولة

 


مشاهدات 37
الكاتب سامي العسكري
أضيف 2026/09/08 - 3:27 PM
آخر تحديث 2026/09/08 - 11:47 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1683 الشهر 13557 الكلي 16546077
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير