الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من المقابر الجماعية الى الذاكرة الجمعية

بواسطة azzaman

من المقابر الجماعية الى الذاكرة الجمعية

شيرزاد نايف

 

فيما عدا أن حملة «الأنفال» لم تكن مجرد صفحات سوداء في كتاب التاريخ. كانت محاولة متعمدة لاقتلاع شعب من أرضه، ومسح اسمه من الخارطة. بين عامي 1986 و 1989، وعبر ثماني مراحل، أُبيد 182 ألف كردي. لم تستهدف بنادق النظام مقاتلين، بل استهدفت قرى وأطفالاً ونساءً وشيوخاً. ولم تكتفِ بدفن الأجساد في مقابر جماعية، بل حاولت دفن الحقيقة معها. يقول نيتشه..  «من يملك سبباً للعيش، يستطيع أن يتحمل أي شيء على الاغلب».

وكان سؤال ضحايا الأنفال واضحاً.. وهو ( لماذ).. ؟ الاجابة هي انتماؤهم. فكان «الكيف» جحيماً من الغازات والتهجير وتسوية 4 آلاف قرية بالأرض.  هنا نخاطب إخواننا العرب، وخاصة العراقيين. نعلم أنكم تقولون اليوم بأن «النظام البائد هو من فعل، ولم يكن لنا حول ولا قوة».

ونحن نصدقكم. فالمقصلة التي ذبحت كوردستان هي نفسها التي قطعت رؤوساً في بغداد والبصرة والموصل.

لكن سارتر حذرنا بأن.. «الصمت عن الشر هو تواطؤ معه». وسكوتنا اليوم عن تذكر الضحايا هو ظلم جديد لهم. والمؤلم ان العقاب لم ينتهِ بسقوط النظام. بل انتقل من البندقية الى القوت و الميزانية. فبدلا ان يكون هناك تعويض وانصاف واسناد لاقليم كوردستان، صار هناك تأخير وتقطيع للرواتب والمستحقات. بدل جبر الضرر، نرى حصاراً اقتصادياً يعاقب الابناء على جريمة لم يرتكبها الاباء.

قال غاندي.. «العين بالعين تجعل العالم كله اعمى». ونحن لا نريد ان نُعمي احداً. نريد فقط ان لا نُعاقب مرتين: مرة بالقتل، ومرة بالنسيان.الدستور العراقي اعترف بالانفال كجريمة ابادة جماعية. والقضاء حكم. لكن الاعتراف القانوني بلا اعتراف مجتمعي وبلا افعال على الارض هو جسد بلا روح. الى الكاتب في بغداد، والاستاذ في النجف، والصحفي في البصرة، كونوا سنداً لنا. اذكروا الانفال كما تذكرون الحروب. ابكوا على حلبجة كما تبكون على كل عراقي سقط. فالدم عراقي، والوجع عراقي، والشفاء لا يكون الا عراقياً. يقول ابن رشد.. «الجهل يقول، والعلم يجيب، والحكمة تصمت». لقد تكلم الجهل في زمن الانفال. وتكلم العلم في المحاكم. وحان وقت الحكمة.

والحكمة تقول.. اعترفوا. انصفوا. اسندوا. فالتحول الحقيقي هو ان نحول «المقابر الجماعية» الى «الذاكرة الجماعية». وان نحول «تقطيع المستحقات» الى «جبر الخواطر». اخواننا.. راعوا ما صار بنا و يصير. لا منة ولا فضل. بل لان العراق لا يُبنى على جثث منسية ورواتب مقطوعة. يُبنى على شراكة وذاكرة واعتراف. فاما ان نكون شركاء في الذاكرة والانصاف، او شركاء في النسيان والعقاب.

 


مشاهدات 46
الكاتب شيرزاد نايف
أضيف 2026/09/07 - 11:45 PM
آخر تحديث 2026/09/08 - 12:48 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 89 الشهر 11963 الكلي 16544483
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير