الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
فاضل ياسين الأب كما رأيته
113412.jpeg | 190 KB |

بواسطة azzaman

فاضل ياسين الأب كما رأيته

الضابط الفني.. عاشق الزهور وصديق الشعراء

إيناس البدران

 

هوالذي لا تمتد يده  الا بعطاء .. اليه تهفو عرائش الياسمين وذؤابات الشجر واعذاق النخيل ،  هو الذي اعتادت الحمائم نقر حبات القمح من على كفيه ، يرفرف الذهول بين اجنحتها  وهي التي ألفت حضوره مع انبعاث كل يوم جديد ، ذات فجر انفرطت المسبحة تناثرت حباتها في زوايا الامكنة وعلا المرايا نشيج نسوة خبرن فجيعة الفقد ، افترشن السواد يقاسمنها الصبر وهي تنقل بصرها بين اكوام الثياب التي فاح منها عطر ابوة ذوى يشيعن زمانا غادرهن الى غير رجعة بدون وداع .

  في الثاني عشر من ايار من العام الجاري 2026 ودّعت اطيب الرجال .. رحل عن عالمنا والدي وسندي اللواء الركن فاضل ياسين البدران  بعد رحلة كفاح طويلة عايش فيها  الكثير من الاحداث الجسام والتحديات تاركا خلفه إرثا ثرّا من العطاء في  شتى المجالات العسكرية والاجتماعية والثقافية والكثير الكثير من الحكايا .

البصرة الحبة الاولى من المسبحة

  في عام 1928  بمدينة الدفء والطيبة  والكرم   البصرة الفيحاء رأى النور   لأول مرة كان الابن الرابع لاسرة تتكون من اب هاديء الطباع وام رؤوم وثلاث اخوات محبات فالاسرة تمتد جذورها جنوبا صوب الدفء والنخيل والشطوط الصغيرة التي تلتقي وتصب عند شط العرب  حيث تبحر السفن كطيور عملاقة قاصدة المحيط بهوس نبيل لتقتفي اثر الطيور المهاجرة . ظلت حكاياه عن ابي الخصيب والزبير تتردد اصداؤها في ذاكرتي وبالرغم من ان مسقط رأسي في بغداد فقد  كان لتلك الاماكن بسحرها وشموسها وبساتينها الخلابة الاثر الاول في تشكيل وعيي وهويتي الادبية ، اختزنتها كرؤى  مضمرة في اللاوعي لتطفو على سطح الذاكرة بهيئة شخوص واماكن لقصص كتبتها او ابطال روايات تروي تفاصيل حياة اهلها بوجوههم الطيبة السمراء وما كان يمور من احداث جسام  تركت اثارها على حياتهم بشكل جلي .

 الطفل الذي عرف الطريق مبكرا

 وبالرغم من انه كان الابن الوحيد والاصغر وسط ثلاث شقيقات  في الاسرة   الا انه نشأ على الاستقلالية وتحمل المسؤولية ، ومما رواه لي انه كان يقطع المسافة بين بستانهم في الزبير مشيا حتى المدرسة الابتدائية البعيدة نسبيا التي صادف انها تقع امام منزل شقيقته امينة  المتزوجة  والتي كانت حالما تراه تحتضنه من خوف عليه وتسحبه من يده  عائدة به الى المنزل وكان ذلك قبل تسجيله في المدرسة ، اما في سني الدراسة فقد اظهر نباهة وتفوقا واضحين رغم مشقة التحصيل العلمي انذاك لندرة المدارس ونأي المسافات.  الامر الذي دفع بوالده ياسين للانتقال  الى بغداد  بعد ان باع بستانه  ليتم ولده فاضل دراسته العسكرية    

زهور ونصف قرن من الحب

  بعدها ببضع سنين وعن طريق صلات عائلية ارتبط بوالدتي التربوية التي اصبحت شاعرة معروفة فيما بعد  وهي زهور دكسن  فكان ارتباطهما  بداية مشوار  طويل موفق امتد زهاء ستين عاما فالوالدة ايضا من مواليد البصرة  ابي الخصيب ووالدها الحاج عبد دكسن تاجر معروف لم تمنعه التقاليد الصارمة انذاك من ارسال ابنته الى بغداد القسم الداخلي لتلقي العلوم التربوية ومن ثم العمل  في سلك  التعليم وتكريس حياتها للغة العربية والشعر وحظيت بالتشجيع من والدي الذي كان مثالا للزوج المحب الداعم الكريم .

كان والدي كثير الغياب والاسفار بحكم عمله العسكري لكنه  في الاوقات القليلة التي يتواجد معنا فيها  كان حريصا ان يعوضنا بالجلسات العائلية  وبطلعات  الى السينما او نادي الضباط او نادي العلوية او المسرح وان يرفدنا بكل مطبوع يناسب اعمارنا ، ولا انسى مكتبتنا التي كانت تتصدر صالة الضيوف العامرة بنفائس الكتب والمختارات الادبية تلك الغرفة التي كانت صالونا  ادبيا ثقافيا  اعتاد والدي استقبال الاصدقاء من كبار الادباء والمثقفين  والاكاديميين والاعلاميين  فيه ومنهم الروائي الكبير الراحل اسماعيل فهد اسماعيل وهو ابن عمتي المقيمة  في الكويت منذ زواجها هناك في الخمسينيات من القرن الماضي والقاص الكبير الراحل عبد الرحمن مجيد الربيعي و الشاعر الكبير الراحل عبد الرزاق عبد الواحد وزوجته الدكتورة  والاديب عبد المنعم حمندي والاديبان محمد الجزائري وعلي العلاق والشاعر العربي اليمني البردوني والاديب  العربي سهيل ادريس والناقدة  المرموقة الراحلة سلمى الخضراء الجيوسي  وغيرهم . كان والدي رحمه الله كريما مع الجميع ويبتسم حينما يرى الدهشة والفرح  يشعان من اعيننا البريئةوهو ينفحنا بالهدايا واللعب وكان السفر طقسا سنويا لا غنى عنه  خاصة في العطل الصيفية الا اذا منعه ما هو اهم واعني بذلك مسؤولياته في العمل الامر الذي فتح اعيننا مبكرا على عوالم وثقافات باهرة ومختلفة ساهمت في بلورة وعينا ووسعت من مديات وآفاق تفكيرنا . هو من حبب الينا فعل الخيرات والعطف على المساكين وحب الطبيعة  اذ كان  عاشقا لاجواء الريف الوادعة  ولطالما بهرني بجمال هندسته للحدائق وبعد تقاعده تفرغ لبستانه ومشاريعه الزراعية وكان فرضا علينا  الذهاب الى ذلك البستان اواقع على طريق التاجي كل يوم جمعة مصطحبين حقائبنا المدرسية للاستمتاع بالطبيعة والهدوء وشواء التنور .  اجتماعيا كان حلو المعشر  يصل الاقارب وكان مولعا بالقراءة والمطالعة في شتى المجالات وكونه موسوعي الاهتمامات فقد كتب العديد من المقالات بالصحف والمجلات ومن ابرزها جريدة الزمان الغراء كما الف بعض الكتب مثل ( العراق ولعبة التوازن بعد الغزو الامريكي ) الصادر عن دار آمنة للنشر – بعمان فضلا عن مؤلشفات عسكرية اخرى منها (تاريخ الحرب الجوية )الذي يدرس  في كلية القوة الجوية وكتاب (الحرب الجبلية الحديثة)فضلا عن كتاب(السعادة ونبع الشباب الدائم ) الصادر عن دار آمنة  للنشر بعمان  وغيرها . ومع كل هذا كان لديه وقت لممارسة الرياضة التي كانت طقسا يوميا ظل يمارسه بولع وانتظام حتى آخر سنوات عمره 

محطات في سيرته 

حصل اللواء الركن فاضل ياسين على شهادة الماجستير بالعلوم العسكرية من معهد القوة الجوية البريطانية في انكلترة  وحاز   على اعلى شهادة    في العلوم الالكترونية

  وكان قد شغل منصب معاون قائد القوة الجوية للشؤون الفنية  كما شغل منصب مدير عام صنف المخابرة للقوات المسلحة العراقية لمرتين  قبل الاحالة الاولى على التقاعد  وبعد الاعادة للخدمة ثانية  كما شغل منصب معاون رئيس اركان الجيش للعمليات  وشغل منصب مدير قسم البحوث العسكرية في مجلس البحوث وهو الضابط الوحيد الذي احيل على التقاعد واعيد للخدمة ثلاث مرات على الرغم من كونه غير حزبي  .

حين بدات حبات المسبحة تتناثر

   بعد رحيل الوالدة الاديبة زهور دكسن  عام 2021   الذي ترك في نفسه ابلغ الاثر ولاسيما انه قد عانى فقد ابنه الكبير احسان المغترب في الولايا المتحدة الامريكية   قبلها باربع سنوات ، اعتكف الوالد  متفرغا للمطالعة ومتابعة الاخبار وعلى الرغم من انه كان يقترب من سقف المئة عام الا انه ظل واع لكل ما يجري حوله ويتبادل الاحاديث مع الاقارب والاصدقاء الذين تناقصوا تدريجيا بعد ان غيب الموت اغلبهم. عاش  خمس سنوات بعد رحيل الوالدة وكنت انا اعتني بكل تفاصيل حياته و حريصة على قطف الزهور ووضعها في زهرية امامه لعلمي مدى عشقه  للطبيعة والزهور .

بعد رحيله كتب صديقنا الشاعر عبد المنعم حمندي في رثائه  شهادة قال فيها  :

«كنت قد عرفته عن قرب حين عملت بمعيته  اثناء خدمة الاحتياط .. ترجل كبير ضباط الجيش العراقي وشيخ الاركان ومهندس خطوطها اللواء الركن فاضل ياسين البدران تاركا خلفه ارثا من الضبط والربط والذكاء العسكري الفذ ..كان مديرا لصنف المخابرة بالجيش بعقل يزن ذهبا وسيبقى اسمه محفورا كرمز للوفاء والنقاء العسكري ،

طوى  الموت سفرا من شموخ وسؤدد         وغاب شهاب كان  بالأمس يهتدي

تشهد له الاركان صنوا لسبقها                  في جيل عز صيغ من كل عسجد

رحمك  الله  يا والدي وكل من عاش ومات على حب العراق .

 


مشاهدات 101
الكاتب إيناس البدران
أضيف 2026/09/07 - 11:33 PM
آخر تحديث 2026/09/08 - 2:18 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 179 الشهر 12053 الكلي 16544573
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير