لماذا قد تنسجم الأسرة العربية مع دولة ولي الفقيه أكثر من أنظمة حكم عاشت تحتها قرونًا؟
جبار فريح شريده
ليس من السهل مقارنة التجربة العربية بالتجربة الإيرانية من دون العودة إلى التاريخ. فالأسرة العربية لم تعش خلال القرون الماضية في ظل نموذج سياسي واحد، بل تعاقبت عليها سلطات وأسر حاكمة مختلفة، من الأمويين والعباسيين إلى العثمانيين، ثم جاءت أنظمة الدولة الحديثة بما حملته من شعارات قومية ووطنية ودينية.
لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح بجرأة هو: ماذا ربحت الأسرة العربية من كل تلك التجارب؟ وهل كان ما عاشته دائمًا أفضل من تجربة إيران الحديثة؟
لقد عاشت شعوب عربية قرونًا طويلة تحت أنظمة رفعت رايات الدين والخلافة والأمة، لكنها كثيرًا ما عانت في المقابل من الصراع على السلطة، وتغليب الولاء السياسي، والفساد، والاستبداد، وتناقض الخطاب الديني مع الممارسة السياسية. ولم يكن اسم الخليفة أو السلطان كافيًا وحده ليجعل الدولة عادلة، كما أن رفع راية الدين لم يمنع الظلم عندما أصبحت السلطة غاية بحد ذاتها.
ومن هنا يمكن فهم جانب من الانسجام الذي قد تجده بعض الأسر العربية في نموذج ولاية الفقيه. فالنظام الإيراني لا يخفي مرجعيته الفكرية والدينية، ولا يقدم نفسه بوصفه نظامًا علمانيًا ثم يستخدم الدين عند الحاجة. إنه يعلن بوضوح الأساس العقائدي الذي تقوم عليه الدولة، ويجعل العلاقة بين المرجعية الدينية والنظام السياسي علاقة مباشرة ومعلنة.
وهذا الوضوح قد يكون، بالنسبة لبعض الناس، أكثر إقناعًا من أنظمة سياسية تتحدث عن الدين والأخلاق والوطن، بينما يعيش المواطن واقعًا مختلفًا تمامًا؛ واقعًا تحكمه المحسوبية والفساد وتضارب المصالح والنفاق السياسي.
لكن الإنصاف يقتضي ألا نقع في الطرف المقابل من المبالغة. إيران ليست جنة سياسية، ونموذج ولي الفقيه ليس فوق النقد. هناك خلافات واعتراضات داخل المجتمع الإيراني حول الحريات والاقتصاد والسياسة وحدود سلطة المؤسسات الدينية، وهذه قضايا حقيقية لا ينبغي تجاهلها.
غير أن المقارنة العادلة لا تكون بالسؤال: «هل إيران أفضل في كل شيء؟» فهذا سؤال غير واقعي. السؤال الأهم هو: أي نظام استطاع أن يقدم للإنسان والأسرة قدرًا أكبر من الاستقرار والعدالة والكرامة والوضوح السياسي؟
فالمشكلة التي عانت منها المنطقة العربية ليست مجرد مشكلة «حاكم سيئ» أو «حاكم جيد»، وإنما مشكلة أعمق: غياب المؤسسات القادرة على تقييد السلطة ومحاسبتها، وتحول الشعارات الكبرى أحيانًا إلى أدوات لتبرير الحاكم بدل أن تكون وسيلة لخدمة المحكوم.
لقد تغيّرت أسماء الدول والأنظمة، لكن المواطن ظل في كثير من الأحيان هو الحلقة الأضعف.
ولهذا، فإن من حق الأسرة العربية أن تنظر إلى التجربة الإيرانية بعين مختلفة، لا بعين الدعاية ولا بعين الكراهية التاريخية. يمكن أن تنتقد إيران في ملفات كثيرة، وفي الوقت نفسه تعترف بأن لديها مشروعًا سياسيًا واضح المعالم، ومؤسسات مرتبطة بمنظومة فكرية محددة، وهو أمر يختلف عن أنظمة عاشت طويلًا على التناقض بين ما تقوله وما تفعله.
التاريخ لا يُقاس بالأسماء، وإنما بالنتائج.
فليس المهم أن يكون الحاكم أمويًا أو عباسيًا أو عثمانيًا أو إيرانيًا، ولا أن يرفع شعار الدين أو القومية أو الوطنية؛ المهم ماذا فعلت الدولة بالإنسان، وماذا قدمت للأسرة، وهل حفظت الحقوق، وحاربت الفساد، وأقامت العدل، ومنحت المجتمع القدرة على بناء مستقبله.
ولذلك فإن الدفاع عن تجربة سياسية لا ينبغي أن يعني تقديسها، كما أن نقد تجربة أخرى لا ينبغي أن يعني إنكار كل ما فيها من إيجابيات.
إن الأسرة العربية اليوم بحاجة إلى دولة صادقة مع نفسها ومع شعبها؛ دولة لا تستخدم الدين ستارًا للفساد، ولا تستخدم الوطنية غطاءً للاستبداد، ولا تجعل الخلاف السياسي سببًا لإلغاء الإنسان.
وقد يكون الدرس الأهم من التاريخ كله أن المشكلة ليست في اسم النظام، بل في صدقه وعدالته ومؤسساته وقدرته على حماية الإنسان من ظلم السلطة نفسها.
أما الشعارات، فقد تغيّرت منذ قرون... لكن الأسرة العربية ما زالت تنتظر دولة تضع الإنسان قبل الحاكم، والعدالة قبل الولاء، والصدق قبل النفاق