إزدهار الحرف الشعبية في الموصل
نوفل الراوي
الأمم الحية.. لا تموت، صحيح انها تمرض، لكن الرمق كافْ كي يجعل الحياة تدب في اجزائها من جديد. هذا بالضبط ما حصل في الموصل اذ ان دواعش العصر حاولوا بكل عنتهم رميها خارج التاريخ، فحرقوا الكتب.. وهدٌموا شواهد عراقتها ، كما اتلفوا كل مقتنيات متاحفها المتنوعة.. كما صادروا كل مصنوعاتها التراثية التي ابدعت في صناعتها ايادٍ موصلية عبر عقود.. ارادوا ان يقولوا للعالم «نينوى» لا تاريخ لها، لا حضارة فيها تميزها عن بقية المدن.. لكن الانسان في الموصل ادرك ابعاد تلك الحملة التي استهدفت ماضيه ومستقبله، فما ان توقفت الة الحرب بادر في تعويض ما افسدته المعارك، وكان للصناعات الشعبية حضورها في هذا المشهد.. في سوق « باب السراي» بدأت مطارق تضرب على صفائح النحاس والالمنيوم لتنتج الاواني و الحاجيات المنزلية بعد توقف دام لسنوات .. و تحظى هذه الصناعة الشعبية باهتمام منقطع النظير من قبل الكبار وحتى الاقل سنا، فمن ناحية المنتجين جرت العادة ان مثل هذه الحرف تكون متوارثة.. تنتقل من الاباء الى الابناء فعلى الاغلب يكون ارباب هذه الحرف ينتمون لعائلات احتكرت هذه الحرف وهذا مشاع في كل مكان .. اما من ناحية اقتناء المنتوجات فيجمع العديد انهم يفكرون بادخال بيوتهم قطعا معدنية من النحاس او الالمنيوم او الفضة وغيرها من باب الحفاظ على التراث قبل الفائدة المتحققة من تلك الاواني وذات الشيء ينطبق على الصناعات الفخارية حيث تشهد هذه الصناعة اقبالا واسعا من قبل المهتمين انهم عادوا من جديد يبحثون عن (التنانير) الطينية، والجرار و(الشربات والحب) ويقتنوها بشغف و يحملوها الى دورهم..
يقول احدهم: مهما تقدمت التقنيات نبقى نتمسك بالاصل، و لا سيما ان البراهين العلمية اثبتت ان تناول الماء مثلا بانية النحاس انسب للبدن.. وان الخبز المصنوع بالتنور افضل صحيا من الخبز المنتج بالافران الحديثة، زيادة على نكهة الخبز العراقي الخارج للتو من تنور الامهات فلا تضاهيه اية نكهة اخرى..
من ناحيتي اؤيد ما ورد؛ لكني ادعو الجهات المعنية في وزارتي التربية والتعليم العالي لدراسة امكانية ادخال مادة الصناعات التراثية ضمن المقررات الدراسية اذا ما كنا فعلا نطمح الى الحفاظ على جزء كبير من تراثنا وتطويره كي نضمن ازدهار مثل هذه الحرف اليدوية النابضة بالحياة.. قبل ايام جمعتني المصادفة مع سائحين اجانب زاروا الموصل.. وجدتهم يتجولون في باب السراي ويتاملون ما يرونه باندهاش. قال لي مترجم يرافقهم: لقد طلبوا مني زيارة سوق المدينة انهم يفكرون باقتناء صناعات يدوية للابقاء عليها من باب الذكرى.. بعيني رايت فرحتهم وهم يقلبون (الدلال و الصواني واكواب الماء المعدنية).. قلت في نفسي: لم لا نضاعف انتاجها و نلبي حاجة الزوار.. فموصلنا اليوم عادت من جديد محطة لاهتمام الزوار من داخل العراق وخارجه.