الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
التعددية

بواسطة azzaman

التعددية

محمد زكي ابراهيم

 

تعاني‭ ‬بلادنا‭ ‬العربية،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬العراق،‭ ‬من‭ ‬الانقسام‭ ‬الشديد‭ ‬في‭ ‬الآراء،‭ ‬والتباين‭ ‬الواضح‭ ‬في‭ ‬المواقف،‭ ‬والبون‭ ‬الشاسع‭ ‬في‭ ‬المتبنيات‭.‬

ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬يحتمل‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الاختلاف،‭ ‬بسبب‭ ‬المصالح‭ ‬والأطماع،‭ ‬والرؤى‭ ‬والأفكار،‭ ‬بل‭ ‬يتعداه‭ ‬إلى‭ ‬أبعاد‭ ‬أخرى‭ ‬اجتماعية‭ ‬وتاريخية،‭ ‬ربما‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬مئات‭ ‬السنين،‭ ‬حدثت‭ ‬نتيجة‭ ‬عدم‭ ‬الوضوح،‭ ‬وندرة‭ ‬التدوين،‭ ‬وانعدام‭ ‬وسائل‭ ‬الاتصال،‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬الأمور‭.‬

‭ ‬وقد‭ ‬راجت‭ ‬مقولات‭ ‬كثيرة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العصر‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬التنوع‭ ‬نعمة‭ ‬لا‭ ‬نقمة،‭ ‬وأن‭ ‬تعدد‭ ‬الثقافات‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬الغنى‭ ‬العقلي‭ ‬والفكري،‭ ‬ويقود‭ ‬إلى‭ ‬الإبداع‭ ‬والابتكار‭.‬

‭ ‬وقد‭ ‬آمن‭ ‬الغربيون‭ ‬بهذه‭ ‬النظرية،‭ ‬مدشنين‭ ‬بها‭ ‬عصر‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة،‭ ‬ففتحوا‭ ‬الأبواب‭ ‬لملايين‭ ‬الأشخاص‭ ‬من‭ ‬شعوب‭ ‬العالم،‭ ‬يختلفون‭ ‬عنهم‭ ‬في‭ ‬الدين‭ ‬والمبدأ‭ ‬والقيم‭ ‬والأخلاق،‭ ‬ولم‭ ‬يجدوا‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬غضاضة‭ ‬أو‭ ‬إثماً‭.‬

‭  ‬وميزة‭ ‬المجتمعات‭ ‬الغربية‭ ‬أنها‭ ‬بلغت‭ ‬الذروة‭ ‬في‭ ‬الحضارة،‭ ‬بشكل‭ ‬يستهوي‭ ‬المهاجرين،‭ ‬ويخلب‭ ‬ألبابهم،‭ ‬فينصاعون‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يملى‭ ‬عليهم،‭ ‬وهم‭ ‬يمتلكون‭ ‬قوانين‭ ‬صارمة‭ ‬لا‭ ‬تسمح‭ ‬لمن‭ ‬هب‭ ‬ودب‭ ‬بتجاوزها‭.‬

ولا‭ ‬تقبل‭ ‬أن‭ ‬يعبث‭ ‬بأمنها‭ ‬أحد،‭ ‬وفي‭ ‬ماعدا‭ ‬القليل‭ ‬من‭ ‬المشاكل‭ ‬التي‭ ‬افتعلتها‭ ‬بعض‭ ‬الجماعات،‭ ‬فإن‭ ‬التنوع‭ ‬العرقي‭ ‬والديني‭ ‬واللغوي،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يشكل‭ ‬خطراً‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬المجتمعات،‭ ‬لأن‭ ‬عدد‭ ‬السكان‭ ‬الأصليين‭ ‬أو‭ ‬الذين‭ ‬مضت‭ ‬على‭ ‬استيطانهم‭ ‬عقود‭ ‬طويلة،‭ ‬هم‭ ‬الغالبية‭ ‬العظمى‭ ‬في‭ ‬البلاد‭.‬

‭  ‬إن‭ ‬الجميع‭ ‬يعرف‭ ‬هذا‭ ‬بالطبع،‭ ‬ويعرف‭ ‬أن‭ ‬التنوع‭ ‬كان‭ ‬السر‭ ‬في‭ ‬التشرذم‭ ‬والفرقة‭ ‬والانقسام‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭ ‬نحن‭. ‬ورغم‭ ‬الدعوات‭ ‬المولعة‭ ‬بالنموذج‭ ‬الغربي،‭ ‬التي‭ ‬تتجاهل‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحقائق،‭ ‬وتدعو‭ ‬إلى‭ ‬القبول‭ ‬بالآخر‭ ‬واحترام‭ ‬خصوصياته،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المعجبين‭ ‬بالغرب،‭ ‬والمتحمسين‭ ‬لأفكاره،‭ ‬هم‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬يخترق‭ ‬هذه‭ ‬الحواجز،‭ ‬ويتجاوز‭ ‬عليها،‭ ‬ويحاول‭ ‬أن‭ ‬يفسرها‭ ‬على‭ ‬الدوام‭ ‬لصالح‭ ‬نقيضها‭.‬

‭  ‬إن‭ ‬الشعوب‭ ‬التي‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬لون‭ ‬واحد،‭ ‬هي‭ ‬الأكثر‭ ‬استقراراً‭ ‬وتقدماً،‭ ‬وأقوى‭ ‬وجوداً‭ ‬وتأثيراً‭. ‬ولا‭ ‬يمنع‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬أقليات‭ ‬صغيرة،‭ ‬تدرك‭ ‬تمام‭ ‬الإدراك‭ ‬حجمها‭ ‬الحقيقي،‭ ‬وقواها‭ ‬الذاتية،‭ ‬فتسعى‭ ‬إلى‭ ‬الاندماج‭ ‬مع‭ ‬عموم‭ ‬المجتمع،‭ ‬وتبحث‭ ‬عن‭ ‬التميز‭ ‬في‭ ‬مكامن‭ ‬القوة‭ ‬الناعمة،‭ ‬كالمال‭ ‬والاقتصاد،‭ ‬والعلم‭ ‬والثقافة،‭ ‬والأدب‭ ‬والفن،‭ ‬فتصبح‭ ‬مجموعة‭ ‬ذات‭ ‬شأن‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تخطيها،‭ ‬وتكسب‭ ‬تعاطف‭ ‬وحماية‭ ‬السواد‭ ‬الأعظم‭ ‬من‭ ‬الناس‭.‬

‭  ‬لقد‭ ‬قام‭ ‬اليهود‭ ‬مثلاً‭ ‬وهم‭ ‬أقليات‭ ‬صغيرة‭ ‬في‭ ‬أوربا‭ ‬وأميركا،‭ ‬بالهيمنة‭ ‬على‭ ‬الشركات‭ ‬والمصارف‭ ‬والمصانع،‭ ‬وبرعوا‭ ‬في‭ ‬الفنون‭ ‬والعلوم‭ ‬والمعارف‭ ‬بشكل‭ ‬مبهر،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬تعويضاً‭ ‬لهم‭ ‬عن‭ ‬قلة‭ ‬العدد،‭ ‬ووقاية‭ ‬لهم‭ ‬من‭ ‬مشاعر‭ ‬العداء،‭ ‬وجعل‭ ‬لهم‭ ‬التفوق‭ ‬الذي‭ ‬أحرزوه‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬على‭ ‬رجال‭ ‬السياسة،‭ ‬وخلق‭ ‬لديهم‭ ‬نفوذاً‭ ‬واسعاً‭ ‬في‭ ‬الشارع،‭ ‬وكان‭ ‬واضحاً‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭ ‬العربية‭ ‬قبل‭ ‬عام‭ ‬1948‭ ‬أو‭ ‬بعدها‭ ‬بقليل،‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬كانوا‭ ‬يلعبه‭ ‬اليهود‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والطب‭ ‬والفن،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المجالات‭.‬

‭  ‬إن‭ ‬الأقليات‭ ‬العرقية‭ ‬والدينية‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬العرب،‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬أن‭ ‬ترتفع‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬المستوى‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬الحضور،‭ ‬وكانت‭ ‬هماً‭ ‬دائماً‭ ‬للحكومات‭ ‬ومؤسسات‭ ‬الدولة،‭ ‬لأنها‭ ‬لم‭ ‬تع‭ ‬أن‭ ‬مكامن‭ ‬الأهمية‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬السياسي،‭ ‬ولا‭ ‬تقف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬اللغة‭ ‬أو‭ ‬العقيدة‭.‬

وتستطيع‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬أحسنت‭ ‬الاختيار‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬لها‭ ‬الأولوية‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية،‭ ‬وتكسب‭ ‬احترام‭ ‬وثقة‭ ‬الناس،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬المناكفات‭ ‬والنزاعات‭ ‬والمتاعب‭ ‬اليومية‭.‬

‭  ‬إن‭ ‬تعددية‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة‭ ‬تفترض‭ ‬أن‭ ‬المجتمعات‭ ‬العصرية‭ ‬لها‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التعايش‭ ‬والاندماج،‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬وجود‭ ‬أغلبية‭ ‬ساحقة،‭ ‬وتغفل‭ ‬أن‭ ‬الهوس‭ ‬السياسي‭ ‬والقومي،‭ ‬يتسبب‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬بتقويض‭ ‬أسس‭ ‬هذه‭ ‬الوحدة‭.‬

‭  ‬وربما‭ ‬سيكون‭ ‬على‭ ‬السلطات‭ ‬الحاكمة‭ ‬أن‭ ‬تنتبه‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الحال،‭ ‬وتسرع‭ ‬في‭ ‬لجم‭ ‬الاتجاهات‭ ‬الثقافية‭ ‬التي‭ ‬تقود‭ ‬إلى‭ ‬الفرقة،‭ ‬فالثقافة‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬أخطر‭ ‬سلاح‭ ‬تشهره‭ ‬الأقليات‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الدولة‭ ‬الواحدة‭.‬


مشاهدات 22
الكاتب محمد زكي ابراهيم
أضيف 2026/08/29 - 1:01 PM
آخر تحديث 2026/08/30 - 3:27 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 231 الشهر 39657 الكلي 16129361
الوقت الآن
الأحد 2026/8/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير