تعاني بلادنا العربية، وفي مقدمتها العراق، من الانقسام الشديد في الآراء، والتباين الواضح في المواقف، والبون الشاسع في المتبنيات.
ولا يقتصر الأمر على الجانب السياسي الذي يحتمل الكثير من الاختلاف، بسبب المصالح والأطماع، والرؤى والأفكار، بل يتعداه إلى أبعاد أخرى اجتماعية وتاريخية، ربما تمتد إلى مئات السنين، حدثت نتيجة عدم الوضوح، وندرة التدوين، وانعدام وسائل الاتصال، وغير ذلك من الأمور.
وقد راجت مقولات كثيرة في هذا العصر ترى أن التنوع نعمة لا نقمة، وأن تعدد الثقافات يؤدي إلى الغنى العقلي والفكري، ويقود إلى الإبداع والابتكار.
وقد آمن الغربيون بهذه النظرية، مدشنين بها عصر ما بعد الحداثة، ففتحوا الأبواب لملايين الأشخاص من شعوب العالم، يختلفون عنهم في الدين والمبدأ والقيم والأخلاق، ولم يجدوا في ذلك غضاضة أو إثماً.
وميزة المجتمعات الغربية أنها بلغت الذروة في الحضارة، بشكل يستهوي المهاجرين، ويخلب ألبابهم، فينصاعون إلى ما يملى عليهم، وهم يمتلكون قوانين صارمة لا تسمح لمن هب ودب بتجاوزها.
ولا تقبل أن يعبث بأمنها أحد، وفي ماعدا القليل من المشاكل التي افتعلتها بعض الجماعات، فإن التنوع العرقي والديني واللغوي، لم يكن يشكل خطراً على تلك المجتمعات، لأن عدد السكان الأصليين أو الذين مضت على استيطانهم عقود طويلة، هم الغالبية العظمى في البلاد.
إن الجميع يعرف هذا بالطبع، ويعرف أن التنوع كان السر في التشرذم والفرقة والانقسام في بلادنا نحن. ورغم الدعوات المولعة بالنموذج الغربي، التي تتجاهل مثل هذه الحقائق، وتدعو إلى القبول بالآخر واحترام خصوصياته، إلا أن الواقع يشير إلى أن المعجبين بالغرب، والمتحمسين لأفكاره، هم أول من يخترق هذه الحواجز، ويتجاوز عليها، ويحاول أن يفسرها على الدوام لصالح نقيضها.
إن الشعوب التي تنتمي إلى لون واحد، هي الأكثر استقراراً وتقدماً، وأقوى وجوداً وتأثيراً. ولا يمنع هذا من وجود أقليات صغيرة، تدرك تمام الإدراك حجمها الحقيقي، وقواها الذاتية، فتسعى إلى الاندماج مع عموم المجتمع، وتبحث عن التميز في مكامن القوة الناعمة، كالمال والاقتصاد، والعلم والثقافة، والأدب والفن، فتصبح مجموعة ذات شأن لا يمكن تخطيها، وتكسب تعاطف وحماية السواد الأعظم من الناس.
لقد قام اليهود مثلاً وهم أقليات صغيرة في أوربا وأميركا، بالهيمنة على الشركات والمصارف والمصانع، وبرعوا في الفنون والعلوم والمعارف بشكل مبهر، وكان ذلك تعويضاً لهم عن قلة العدد، ووقاية لهم من مشاعر العداء، وجعل لهم التفوق الذي أحرزوه في هذا المجال، على رجال السياسة، وخلق لديهم نفوذاً واسعاً في الشارع، وكان واضحاً في بلادنا العربية قبل عام 1948 أو بعدها بقليل، الدور الذي كانوا يلعبه اليهود في الاقتصاد والطب والفن، وغيرها من المجالات.
إن الأقليات العرقية والدينية في بلاد العرب، لم تستطع أن ترتفع إلى هذا المستوى من قوة الحضور، وكانت هماً دائماً للحكومات ومؤسسات الدولة، لأنها لم تع أن مكامن الأهمية لا تقتصر على الجانب السياسي، ولا تقف عند حدود اللغة أو العقيدة.
وتستطيع إذا ما أحسنت الاختيار أن تكون لها الأولوية في الحياة الاجتماعية والسياسية، وتكسب احترام وثقة الناس، بدلاً من المناكفات والنزاعات والمتاعب اليومية.
إن تعددية ما بعد الحداثة تفترض أن المجتمعات العصرية لها القدرة على التعايش والاندماج، بغض النظر عن وجود أغلبية ساحقة، وتغفل أن الهوس السياسي والقومي، يتسبب في الغالب بتقويض أسس هذه الوحدة.
وربما سيكون على السلطات الحاكمة أن تنتبه إلى هذه الحال، وتسرع في لجم الاتجاهات الثقافية التي تقود إلى الفرقة، فالثقافة في الواقع أخطر سلاح تشهره الأقليات في وجه الدولة الواحدة.