الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
جغرافيا الحنين إلى الأصل

بواسطة azzaman

جغرافيا الحنين إلى الأصل

محمد غاني

 

تحرير المعنى: الإله هو المألوه، والمألوه هو المحبوب

​مدار المسألة على مادة «أَلِهَ». قال ابن عباس رضي الله عنهما: «الله ذو الألوهية والمعبودية على خلقه أجمعين». وأهل اللغة يقولون: أَلِهَ يَأْلَهُ ألوهةً: عَبَدَ، ومن معانيها: وَلِهَأي هام واضطرب شوقا  وأَلِهَ إلى كذا: سكن إليه واطمأنّ. فاجتمع في الاسم الأعظم: التعبّد، والوَلَه، والسكون. وهذه هي أطوار المحبة بعينها: انجذابٌ، ثم دَهَشٌ، ثم طمأنينة.

​ومن هنا يتقرّر أنّ مفهوم اسم «الله» هو المعبود الحقّ، أي المحبوب الحقّ، وأنّ كلّ محبوبٍ سواه فانٍ. ولذلك قرّر ابن القيم أنّ «المألوه هو الذي تألهه القلوب محبةً وإجلالاً وخوفاً ورجاءً وتعظيماً»، وحدّ العبادة عنده وعند شيخه ابن تيمية: غاية الحبّ مع غاية الذلّ. وفي نونيته:

​وعـبـادةُ الـرحـمـنِ غـايـةُ حـبِّـهِ *** مـع ذُلِّ عـابـدِهِ هـمـا قُـطـبـانِ

وعليهما فـلَـكُ الـعـبـادةِ دائرٌ *** مـا دار حـتـى قـامـتِ القُـطـبـانِ

​وهذا هو المحجة التي التقى عندها محققو أهل السنة ومحقّقو أهل الطريق معاً.

​الشاهد القرآني الحاسم: الشركُ شركُ محبة

​الآية التي تجعل هذه الأطروحة نصّا لا استنباطاً:

​وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ، وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ (البقرة:165).

​والتأمل فيها كاشف: لم يقل «يعبدونهم كعبادة الله»، بل جعل حدّ الشرك مساواةً في المحبة، وحد الإيمان أشدية في المحبة. فالتوحيد في ميزان القرآن ميزانُ حب، والشرك خلل في الترتيب لا في أصل الشعور.

​وأمّا فناء كلّ محبوب سواه فهو حجة الخليل عليه السلام نفسها:

​فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الآفِلِينَ (الأنعام: 76)

​لم يقل «لا أعبد الآفلين»  بل ردَ الأفولَ بالحب، لأن القلب لا يحتمل أن يُعلّق نفسه بما يغيب. ويؤيّده:  كُل مَنْ عَليْهَا فَان، وَيَبْقَى وَجه رَبِك ذو الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ.

​وسائر الشواهد:  يُحِبُهمْ وَيُحِبُونه (المائدة:54)

قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَبِعونِي (آل عمران:31)

وسمّاها السلف آية المِحنة لأنها امتحانٌ لدعوى المحبة — (ووَهُوَ الْغَفُور الْودوُد)، فالمحبة في الأصل صفةٌ إلهية قبل أن تكون حالاً عبدانيا.

​إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ = إياك نحب وإياك نستعين

​تقديم المعمول (إيّاك) يفيد الحصر: لا نفرد بغاية الحب سواك. وأجمل ما يشهد لهذا الربط بين المحبة والاستعانة حديثان: ​الأول حديث الوليّ القدسي (البخاري): «ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أُحبّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع بهولئن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه». فالعبادة تُثمر المحبة، والمحبة تُثمر الإعانة. وهذا هو ترتيب الفاتحة عينه.. ​الثاني  حديث معاذ أبو داود والنسائي بإسناد صحيح : «يا معاذ، والله إني لأُحبّك، فلا تدعنّ دبر كلّ صلاة أن تقول: اللهم أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». المحبة أولاً، ثم الاستعانة على العبادة. فكأنّ النبي صلى الله عليه وسلم علّم معاذاً الفاتحة بلسان الحال..​ويصدّقه دعاء داود عليه السلام: «اللهم إني أسألك حبّك، وحبَ من يحبّك، والعملَ الذي يبلّغني حبّك، اللهم اجعل حبّك أحبّ إليّ من نفسي وأهلي ومن الماء البارد (الترمذي).

​المحبةُ اتّباعٌ بلا تكلُّف: الفصل بين الحبّ والدعوى

​المحبة في حقيقتها أن يتبع المحبُّ محبوبَه طواعيةً، فلا يجد في نفسه حرجاً ولا استثقالاً، مهما ثقُلت التكاليف وشقت على النفس. فالطاعة إن صدرت عن حبٍ صارت لذة، وإن صدرت عن قهرٍ صارت أُجرة. والفرق بين العبد والأجير أنّ الأجير ينتظر انقضاء الوقت، والعبدَ المحبَّ يخشى انقضاءه.

​وقد جعل القرآن انتفاء الحرج الباطن  لا مجرّد الامتثال الظاهر  شرطاً في أصل الإيمان:

فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (النساء:65)

​فلم يكتفِ بالتحكيم  وهو الامتثال  حتى ضمّ إليه نفي الحرج، وهو أثر المحبة لا أثر الإلزام. ثم قال:  وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرسوله أَمْرا أَن يَكون لهم الْخيَرة وسقوطُ الخِيَرة عن المحبّ ليس مصادرةً لحرّيته، بل هو تمام حرّيته، لأنه لم يعد يريد سوى ما يريده محبوبه.. ​وشواهد سقوط الكلفة بالمحبة في السنّة كثيرة:

​الحديث المتّفق عليه: «ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه ممّا سواهما» فسمّى الأثرَ حلاوة، والحلاوة لا تُنال بالتكلف.

​«حُبِّبَ إليّ من دنياكموجُعلت قرّة عيني في الصلاة»وهي أثقل العبادات على المنافق، وقرّةُ عينٍ عند المحبّ.

​«أرِحْنا بها يا بلال»  فالصلاة عنده راحةٌ ممّا سواها، لا كُلفةً تُقتطع من الراحة.. وقام صلى الله عليه وسلم حتى تفطّرت قدماه، فقيل له: أتفعل هذا وقد غُفر لك ما تقدّم من ذنبك؟ فقال: «أفلا أكون عبداً شكوراً»  فصرّح بأنّ باعثه ليس دفعَ عقوبةٍ ولا تحصيلَ غفران، بل مقابلةُ الإحسان بالحبّ.

​وقال صلى الله عليه وسلم : «إنّ الله لا يملّ حتى تملّوا»  والمحبّ لا يملّ، ولذلك كان أحبَّ العمل إليه صلى الله عليه وسلم أدومُه وإن قلّ، لأن الدوام شأن العشق لا شأن الوظيفة.

​وأنشد القدماء في تقرير هذا المعنى:

​تعصي


مشاهدات 44
الكاتب محمد غاني
أضيف 2026/08/29 - 12:48 AM
آخر تحديث 2026/08/29 - 1:43 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 130 الشهر 37917 الكلي 16127621
الوقت الآن
السبت 2026/8/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير