الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
د. العراق

بواسطة azzaman

د. العراق

جبار فريح شريده

 

في العراق، يبدو أن لقب «الدكتور» أصبح أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ففي المجالس والجامعات والدوائر والمؤسسات، تتزايد أسماء حملة شهادات الدكتوراه، حتى بات من المشروع أن نتساءل: هل نحن أمام نهضة علمية حقيقية، أم أمام تضخم في الشهادات والألقاب؟

لا شك أن ازدياد أعداد حملة الدكتوراه يمكن أن يكون مؤشرًا إيجابيًا. فالدول لا تبنى إلا بالعقول، والجامعات لا تنهض من دون باحثين وأساتذة متخصصين، والمجتمع الذي يزداد فيه عدد حملة الشهادات العليا يفترض أن يكون أكثر قدرة على إنتاج المعرفة وحل مشكلاته.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الشهادة من وسيلة للعلم إلى غاية بحد ذاتها، ومن مشروع بحثي إلى لقب اجتماعي أو وسيلة للترقية الوظيفية وتحسين المكانة. فالدكتوراه، في جوهرها، ليست ورقة تعلق على الجدار، ولا كلمة تسبق الاسم، وإنما هي أعلى مراحل التدريب على البحث العلمي، يفترض أن يخرج صاحبها قادرًا على إضافة شيء جديد إلى المعرفة.

وتشير أرقام وزارة التعليم العالي والبحث العلمي إلى اتساع منظومة الدراسات العليا في العراق؛ فقد أعلنت الوزارة في عام 2026 وجود 2577 برنامجًا مفتوحًا للدكتوراه والماجستير والدبلوم العالي، كما أعلنت في عام 2025 أن عدد المتقدمين للدراسات العليا بلغ قرابة 54 ألف متقدم مقابل 31 ألف مقعد.

وهذه الأرقام لا تعني بحد ذاتها وجود مشكلة، بل تكشف حجم الطلب الكبير على التعليم العالي والدراسات العليا. غير أن السؤال الحقيقي يجب أن ينتقل من «كم شخصًا حصل على الدكتوراه؟»

فليس من الصعب أن ننتج آلاف الشهادات، لكن الصعب أن ننتج آلاف الأفكار. وليس المهم أن يزداد عدد من يحملون لقب «دكتور»، بل أن يزداد عدد من يستطيعون تقديم بحث أصيل، أو اكتشاف جديد، أو حل لمشكلة اقتصادية أو صحية أو هندسية أو اجتماعية.

العراق بحاجة إلى الطبيب الباحث، والمهندس الباحث، والاقتصادي الباحث، والمؤرخ واللغوي وعالم الاجتماع وسائر التخصصات، لكنه بحاجة أكبر إلى أن تتحول هذه الطاقات العلمية إلى نتائج ملموسة. فالجامعة التي تخرّج أعدادًا كبيرة من حملة الدكتوراه ولا تنتج بحثًا مؤثرًا، ولا تسهم في حل مشكلات المجتمع، تظل أسيرة منطق الأرقام.

كما أن التوسع في الدراسات العليا ينبغي أن يسير بالتوازي مع التشدد في معايير الجودة. فالدكتوراه الحقيقية تحتاج إلى مشرف مؤهل، وبيئة بحثية، ومختبر أو مصادر علمية مناسبة، ومناقشة رصينة، وأطروحة تضيف جديدًا، لا مجرد استكمال إجراءات للحصول على اللقب.

والأخطر من ذلك هو أن تتحول المنافسة الأكاديمية إلى منافسة على اللقب. عندها يصبح السؤال: «متى أصبحت دكتورًا؟» أهم من السؤال: «ماذا بحثت؟ وماذا اكتشفت؟ وماذا قدمت؟»

إن العراق لا يحتاج إلى التقليل من قيمة الدكتوراه، بل إلى إعادة الاعتبار إلى قيمتها. لا نريد أن نرى في كثرة حملة الشهادات مشكلة بحد ذاتها؛ نريد أن تكون هذه الكثرة قوة علمية حقيقية. فكل دكتور جديد يمكن أن يكون مشروع عالم، ومشروع باحث، ومشروع حل لمشكلة من مشكلات العراق.

ولذلك، فإن معركة العراق القادمة ليست مع عدد الشهادات، وإنما مع جودة الشهادة وقيمة المعرفة التي تقف خلفها.

قد يكون من السهل أن نضيف حرف «د.» أمام آلاف الأسماء، لكن التحدي الحقيقي هو أن نضيف شيئًا جديدًا إلى العراق.

فالدكتوراه ليست نهاية الطريق، وإنما بداية المسؤولية.

العراق لا يحتاج إلى مزيد من الألقاب بقدر حاجته إلى مزيد من العقول التي تستحق تلك الألقاب


مشاهدات 39
الكاتب جبار فريح شريده
أضيف 2026/08/24 - 3:27 PM
آخر تحديث 2026/08/25 - 2:13 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 161 الشهر 31221 الكلي 16120925
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/8/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير