الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
لماذا العراق قلب كتاب النظام العالمي لكيسنجر؟

بواسطة azzaman

لماذا العراق قلب كتاب النظام العالمي لكيسنجر؟

حيدر الشمري

 

سؤال كيسنجر الأخير

في آخر فصول كتابه النظام العالمي الصادر عام 2014، يكتب هنري كيسنجر جملة غريبة. يقول:

إذا أردت أن تعرف هل لا يزال النظام العالمي موجودا، فلا تنظر إلى واشنطن أو موسكو أو بكين. انظر إلى بغداد.

لماذا بغداد؟ لماذا ليست برلين التي ولد فيها النظام، أو نيويورك التي تحرسه اليوم؟

لأن العراق، في نظر كيسنجر، هو الدولة الوحيدة في العالم التي تجتمع فيها كل أنظمة العالم التي فشلت عبر التاريخ، وتتصارع في شارع واحد.

الفصل الأول: العراق دولة وستفالية بلا مجتمع وستفالي

قلنا إن نظام وستفاليا الذي ولد سنة 1648 يقوم على ثلاثة أركان: سيادة، وحدود مقدسة، وولاء للدولة فوق الولاء للدين.

العراق أنشئ على هذا الأساس حرفيا. سنة 1921 رسمت بريطانيا حدوده، ومنحته أسماً و علماً ونشيداً وعضوية في عصبة الأمم. على الورق، أصبح دولة وستفالية نموذجية.

لكن كيسنجر يلاحظ مفارقة علمية: الدولة الوستفالية في أوروبا جاءت بعد أن توحد الشعب أولا ثم طلب حدودا. في العراق حدث العكس. جاءت الحدود أولا، ثم طلب من الشعب أن يتوحد داخلها.

النتيجة: داخل نفس الحدود، يعيش شعب يفكر بطريقة ما قبل وستفاليا. ولاؤه ليس للحدود، بل لما وراء الحدود: المرجعية في النجف ترتبط بقم، والعشيرة في الأنبار تمتد إلى سوريا، والقومية الكردية تحلم بدولة تتجاوز الحدود.

ولهذا فشلت كل محاولات بناء دولة وستفالية في العراق إلا بالقوة. الدولة العثمانية حافظت عليه بالجيش الانكشاري، والملكية بالجيش البريطاني، والجمهورية بالجيش البعثي. وعندما يُرفع الجيش، تعود الهويات الأصلية لتملأ الفراغ.

هذا هو القانون الأول الذي يضعه كيسنجر: الدولة التي ترسم حدودها قبل أن تبنى هويتها، لا تعيش إلا بالقوة أو بالتوافق المستحيل.

الفصل الثاني: سنة 2003 - اللحظة التي انتحر فيها النظام العالمي في بغداد

دولة اخرى

هنا يصبح العراق مهما للعالم كله، وليس لنفسه فقط.

مبدأ وستفاليا المقدس يقول: لا يجوز لدولة أن تغزو دولة أخرى ذات سيادة وتغير نظامها بالقوة.

سنة 2003، الولايات المتحدة، وهي الحارس الرسمي لنظام وستفاليا والأمم المتحدة، هي نفسها التي كسرت المبدأ وغزت العراق لتغيير نظامه.

كيسنجر، وهو مهندس الواقعية السياسية، اعتبرها لحظة انتحار أخلاقي واستراتيجي. لماذا؟

لأنه عندما تكسر أنت القانون الذي تحميه، تعطي رخصة للجميع أن يكسروه.

بعد 2003، قال بوتين: إذا كانت أمريكا تستطيع أن تغزو العراق بحجة الأسلحة، فأنا أستطيع أن أغزو جورجيا وأوكرانيا بحجة حماية الروس.

وقالت إيران: إذا كانت السيادة غير مقدسة، فنحن أيضا نستطيع أن نعبر الحدود العراقية لحماية الشيعة.

وقالت تركيا: ونحن نستطيع أن ندخل الشمال لحماية التركمان.

وقالت السعودية: ونحن نستطيع ان نعبر لحماية السنة.العراق بعد 2003 لم يعد دولة وستفالية. أصبح ساحة ما بعد وستفالية، كل دول الجوار تتدخل فيه علنا وتقول إنها تدافع عن مصالحها.وهذا بالضبط ما حدث في أوروبا قبل وستفاليا سنة 1618: حرب الثلاثين عاما بدأت عندما تدخلت كل دولة أوروبية في ألمانيا بحجة حماية الكاثوليك أو البروتستانت. والنتيجة كانت 8 ملايين قتيل.

الفصل الثالث: العراق اليوم - صراع أربعة أنظمة عالمية في بلد واحد

كيسنجر يقسم تاريخ العالم إلى أربعة أنواع من الأنظمة. والغريب أنها الأربعة موجودة اليوم في العراق في نفس اللحظة:

1. النظام الأوروبي الوستفالي: تمثله الدولة الرسمية في بغداد. تريد جيشا واحدا، حدودا مقدسة، وجواز سفر واحد.

ساتر ترابي

2. النظام الإسلامي الإمبراطوري: مثله داعش. لا يعترف بالحدود أصلا. قالها صراحة عندما هدم الساتر الترابي بين العراق وسوريا سنة 2014: نهاية سايكس-بيكو. هذا نظام ما قبل وستفاليا يريد دار إسلام واحدة بلا حدود.

3. النظام الطائفي العابر للحدود: وهو الأخطر بنظر كيسنجر. ولاء شيعي يمتد من طهران إلى بيروت عبر بغداد، وولاء سني يمتد من الرياض إلى إسطنبول عبر الأنبار. هذا ليس ولاء لدولة، بل لمذهب يتجاوز الدولة.

4. النظام القبلي: وهو الأقدم. العشيرة لا تعترف لا بالدولة ولا بالمذهب. قانونها الخاص، وسلاحها الخاص، وقضاؤها الخاص.لا توجد دولة في العالم اليوم يتصارع فيها أربعة أنظمة عالمية في نفس الشارع إلا العراق. ولهذا هو قلب الكتاب.

نبوءة كيسنجر

ينهي كيسنجر فصل العراق بجملة علمية باردة وليست عاطفية:

إن نجحت تجربة بناء دولة وستفالية حديثة في العراق تحترم التعدد وتحافظ على الحدود، فهذا يعني أن النظام العالمي لا يزال قابلا للحياة. وإن فشلت وتفتت العراق، فهذا يعني أننا دخلنا رسميا عصر الفوضى العالمية، وأن نموذج الدولة الوطنية الذي حكم العالم منذ 1648 قد انتهى.

بعبارة أخرى: العراق ليس قضية عراقية. العراق هو الاختبار النهائي لفكرة الدولة نفسها.

□ عن مجموعة واتساب

 


مشاهدات 49
الكاتب حيدر الشمري
أضيف 2026/08/24 - 2:39 PM
آخر تحديث 2026/08/25 - 1:37 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 124 الشهر 31184 الكلي 16120888
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/8/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير