أنطولوجيا الثقافة العراقية وأسى الشام
طارق الأحمد
بين دفتي كتاب الدكتور عبد الحسين شعبان بعنوان: هسهسات الضوء في أنطولوجيا الثقافة العراقية، لا مجرد رحلة بحث علمية وأدبية أدخلنا فيها الأديب الكاتب إلى عمق حياة ومؤلفات كبار الكتاب والمثقفين العراقيين، بل وطريقة علاجهم لمراحل حيواتهم التي تستعرض في تلك الهسهسات كما أحب ان يسميها، جل تاريخ العراق أيضا، وأيضا لا من ناحية السرد التاريخي العادي، بل من نظرة الكاتب أولا لبلد كان يمكن أن يقوم، وهو مؤهل لأن يكون، بلدا ما كبريطانيا أو فرنسا أو روسيا... ولكن لماذا؟
لم أستطع وانا أغوص في هذا المؤلف وأعيد القراءة في فقراته لحجم الثراء في ما يكتنز من أبعاد لا تتعلق بالشخصية التي يكتب عنها فحسب، إلا أن أتخيل العراق ثم أعود لأتخيل العراق حالة بحالة و طريقا غير الطريق الذي سلكه..
فبلدٌ له كل هذا الوفر من الإنتاج الفكري، و التفاعل الحضري خلال قرن انصرم، ولا يصبح أحدى الدول التي تقرر سيرورة المنطقة في هذا العالم، لا بد أن عليه العودة إلى الهسهسات كما أراد الكاتب وصفها ، لا لمجرد استعراض سير الأعلام الكبار كما يفعل الكثيرون، بل ليستنبط ما هو أعم و أشمل، بأنه ينظر (بتشديد الظاء) عن العراق كله في تحليله لبدر شاكر السياب و كل خواص غربته في علاقتها مع كل الفلسفات المؤثرة و خلوصه إلى اغترابه الاجتماعي الاقتصادي وفقا لمفهوم إريك فروم، لتحلل حالة الشخصية العراقية كلها و كأنها قد عاشت السياب في حياته حتى مماته.
ثم يتحدث عن التاريخ السياسي الذي كان و احتمالاته كما يراه الكاتب ذاته في استعراض المراحل التاريخية لتأسيس الأحزاب و التكتلات الثقافية أولا ثم السياسية و الصدمات التي تعرض لها أصحابها، و غربتهم الهائلة في محاولة تأسيس وطنهم، طبعا كل ذلك و هو يستعرض حياة بلند الحيدري و حسين جميل و لم ينسى أن ينبهنا إلى تمكن علي الوردي من مجابهة كل التيارات الدينية المتزمتة بل و حتى الأفكار الشمولية السائدة للحركات السياسية الناشئة فقط بسبب فضاء التسامح الذي كان في الدولة و المجتمع و مساحة الحرية في البحث العلمي التي كانت فعلا متوفرة في الجامعات و التي اختفت في عصرنا (الحديث) و تلك سمة نشاهدها أيضا في مصر و الشام.
ان سيف التأثيم والتحريم و من ثم التجريم الذي وصفه الكاتب لعصر اليوم لا ينطبق على الماضي الذي أوسع له في شرح هذه الأنطولوجيا العراقية الفريدة، و من هنا فهو يصل بنا إلى استنتاج مخيف باستدلالاته و لو أنه مستعمل في الحياة العامة، و أضعه هنا بصيغة سؤال لا بوصفه مسلمة، و هو إن كانت بلادنا قد فوتت فعلا فرصة ولوج مجتمعاتنا الى طور الحداثة حتى عشرات السنين القادمة...
فرواد الحداثة هؤلاء الذين تكسرت نصالهم في السياسة و الشعر و العلم و البحث العلمي، على نصال الأهواج السياسية التي عاشتها البلاد حتى وصلت الى ما نحن عليه اليوم من هوان، لم يعودوا متوفرين على شاكلة أجيال متعاقبة و هذا محزن، و يبقى للأديب الدكتور عبد الحسين شعبان فضل هذا الضوء المهسهس لنرى في العراق كل هذا الثراء مع حزن آخر ينتابني حيث و إن كانت الشام حاضرة في كتابه و انطلاقا من معاشه فيها و وجدانه، لكن لم أجد للثقافة و العلم و السياسة فيها من يستحضر أنطولوجيتها، و ذلك لأنها جريحة، لا بمعنى الدولة فقط، و لكن في المجتمع أيضا الذي بات يفرق حتى في الثقافة بين المذاهب و الطوائف و الإنتاج المعرفي، و هي أحوج ما تكون للدكتور شعبان ليمد عراقيته إلى سوريته و أوقن أنهما حاضرتين لديه لينتج لنا سوراقيا لبنانية النكهة، حاضرة و جامعة، لعل الثقافة تتمكن من توحيد ما عجزت عنه السياسة، فيكون تحصين المشروع الوحدوي سابق لأي وحدة من خلال ايجاد منصة العمل المشتركة للفكر و بالتالي يصبح الفكر العابر للحدود هو القوي بذاته و حيوته تأتي من حركيته حيث تعجز السجون السلطوية و المجتمعية أن تأثمه و تحرمه و تجرمه و تنكل به.
في نهاية هذا المقال و أحسب أنني سأعاود الكتابة في ذات الموضوع لأهميته، فقد ذكر الكاتب في معرض شرحه لأهمية كون الشاعر محمد مهدي الجواهري قد رسم القرن العشرين بحياته التي عاشها فيه ، ما قاله الروائي الروسي مكسيم غوركي بأن التاريخ لا يكتبه المؤرخون بل الفنانون، و لذلك فإنني أعتبر أن هذا النوع من الكتابة سيمهد إلى التأسيس لسردية انسكلوبيدية عدا عن كونها أنطولوجية لتاريخ مشرقنا الثقافي و المعرفي و بالتالي السياسي، لتغدو مرجعية حقيقية موثوقة أمام أجيال قادمة، نخشى أنها لا تجد مادة تتعرف من خلالها الى حقيقتها و تتلمس طريقا ما لبناء المستقبل.
كاتب سوري وعميد الخارجية في الحزب السوري القومي الاجتماعي وعضو مؤسس في الكتلة الوطنية السورية