الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قراءة في كتاب مذكّرات أحمد الحبوبي

بواسطة azzaman

قراءة في كتاب مذكّرات أحمد الحبوبي

أشخاص كما عرفتهم.. المؤلف ليس محور الحكاية

عصام البرّام

 

تحتل المذكرات السياسية والشهادات الشخصية مكانة مهمة في كتابة التاريخ، لأنها لا تقدم الأحداث من خلال الوثائق الرسمية وحدها، وإنما تكشف أيضاً ما كان يجري خلف الأبواب المغلقة، وما تركته اللقاءات والمواقف السياسية في ذاكرة رجال عاصروا مراحل مفصلية من تاريخ بلدانهم. ومن هذا المنظور يأتي كتاب «مذكرات أحمد الحبوبي: أشخاص كما عرفتهم»، للوزير القومي السابق في حكومتي عبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف، بوصفه شهادة شخصية على مرحلة عراقية وعربية شديدة الاضطراب والحيوية السياسية.

لا يبدو الكتاب مجرد سرد لسيرة ذاتية بالمعنى التقليدي، فالمؤلف لا يجعل نفسه محور الحكاية وحده، وإنما يجعل من الأشخاص الذين التقاهم وعرفهم وعاش معهم جانباً من أحداث المرحلة مدخلاً لاستعادة الذاكرة السياسية والاجتماعية للعراق والعالم العربي، ولا سيما في عقد الستينات من القرن العشرين. ولذلك فإن قراءة الكتاب تكشف، في الوقت نفسه، عن سيرة رجل شغل موقعاً في الدولة، وعن صورة لحقبة سياسية كانت تعج بالانقلابات والصراعات الفكرية والحزبية والمنافسات بين العسكريين والسياسيين.

الذاكرة الشخصية بوصفها نافذة على تاريخ العراق

تكمن أهمية مذكرات أحمد الحبوبي في أن صاحبها لم يكن مراقباً بعيداً عن الأحداث، بل كان جزءاً من الحياة السياسية والإدارية في العراق، وعاش قريباً من مراكز القرار في مرحلة شهدت تحولات كبيرة بعد ثورة الرابع عشر من تموز، وما تلاها من صراعات وانقلابات وتبدلات في بنية الحكم.

ومن خلال استحضار المؤلف للأشخاص الذين التقى بهم، تتشكل أمام القارئ خريطة واسعة من العلاقات السياسية والفكرية والعسكرية. فالشخصيات التي يتوقف عندها الكتاب ليست من اتجاه سياسي واحد، بل تنتمي إلى تيارات ومواقع متعددة، الأمر الذي يمنح المذكرات قيمة خاصة؛ إذ تتيح للقارئ أن يرى المرحلة من خلال شبكة من الشخصيات المتباينة في أفكارها ومواقعها ومواقفها.

ومن أبرز الشخصيات التي يتناولها الكتاب صدام حسين، فيتوقف عند لقائه به في القاهرة، وهو لقاء يكتسب أهميته من طبيعة المرحلة التي كان فيها حزب البعث والقوى القومية والناصرية تتحرك في فضاء سياسي عربي شديد التداخل. كما يستعيد المؤلف لقاءاته مع الشيخ أحمد الوائلي، بما يمثله من حضور ديني وفكري وثقافي، ومع الرئيس المصري جمال عبد الناصر، الشخصية التي كان لها تأثير بالغ في السياسة العربية وفي الوعي القومي خلال تلك الحقبة.

ويضم الكتاب كذلك شهادات وذكريات عن شخصيات سياسية وعسكرية عراقية، من بينها عارف عبد الرزاق، وعبد الرحمن الداود، وفؤاد الركابي، ومحمد صديق شنشل، والشيخ محمد مهدي كبة، والشاعر عدنان الراوي، وخالد علي الصالح الدليمي، واللواء الركن حميد الحصونة، إلى جانب شخصيات عراقية وعربية أخرى.

وهنا تظهر قيمة الكتاب الحقيقية: فالحبوبي لا يكتفي بذكر الأسماء، وإنما يحاول استعادة الإنسان خلف الشخصية السياسية، فيروي ما جمعه بهؤلاء من لقاءات ومواقف وحوارات وانطباعات، وما تركته تلك العلاقات من أثر في ذاكرته.

شخصيات متباينة ومرحلة سياسية مضطربة

من أجمل ما يمكن ملاحظته في الكتاب أن المؤلف لا ينظر إلى الشخصيات التي يروي عنها بوصفها أسماء جامدة في كتب التاريخ، بل يقدمها من خلال تجربته الشخصية معها. وهذه الزاوية تمنح المذكرات بعداً إنسانياً يختلف عن الكتابات السياسية التقليدية.

فعندما يتحدث عن السياسي أو العسكري، لا يتوقف بالضرورة عند منصبه أو موقعه الرسمي، وإنما يحاول أن يستعيد صورته كما عرفها في اللقاء والمجالسة والنقاش. ومن هنا يصبح الكتاب أقرب إلى ألبوم سياسي للذاكرة العراقية والعربية، تتجاور فيه شخصيات من الجيش والحكومة والأحزاب والتيارات القومية والدينية والأدبية.

وتزداد أهمية هذه الشهادات عندما ترتبط بالأحداث السياسية التي عرفها العراق في الستينات. فقد كانت تلك السنوات مليئة بالتبدلات السريعة، وكان العسكريون والسياسيون والحزبيون يتحركون في مشهد تتقاطع فيه مشاريع مختلفة حول مستقبل الدولة العراقية وموقعها من التيارات القومية العربية.

وفي هذا السياق، فإن ذكريات الحبوبي عن شخصيات مثل عارف عبد الرزاق وعبد الرحمن الداود وحميد الحصونة وغيرهم تقدم للباحث مادة تساعد على فهم طبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية، بينما تفتح ذكرياته عن فؤاد الركابي ومحمد صديق شنشل وخالد علي الصالح الدليمي باباً للتأمل في الحياة الحزبية والقومية والصراعات الفكرية التي طبعت العراق الحديث.

أما حضور شخصيات دينية وفكرية وأدبية مثل الشيخ أحمد الوائلي والشيخ محمد مهدي كبة والشاعر عدنان الراوي، فيوسع دائرة الكتاب من السياسة المباشرة إلى المجال الثقافي والاجتماعي، ويكشف أن الحياة العامة في العراق لم تكن محكومة بالسياسيين والعسكريين وحدهم، وإنما أسهم فيها رجال الدين والمثقفون والشعراء وأصحاب الرأي.

من جمال عبد الناصر إلى صدام حسين: شبكة من اللقاءات العربية

يكتسب الكتاب بعداً عربياً واضحاً من خلال الشخصيات التي التقاها المؤلف خارج العراق أو ارتبط بها في إطار العلاقات السياسية العربية. ويبرز في هذا السياق لقاؤه بالرئيس جمال عبد الناصر، الذي كان يمثل آنذاك أحد أهم الرموز السياسية في العالم العربي، وصاحب مشروع قومي تجاوز تأثيره حدود مصر إلى العراق وسورية واليمن وغيرها.

كما أن استعادة الحبوبي للقاءه بصدام حسين في القاهرة تفتح أمام القارئ نافذة على مرحلة مبكرة من حياة شخصية ستصبح لاحقاً من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في التاريخ العراقي والعربي. وأهمية مثل هذه الشهادة لا تكمن في تقييم الشخصية من منظور الأحداث اللاحقة فقط، بل في محاولة فهمها كما ظهرت للمؤلف في الزمن الذي وقعت فيه اللقاءات.

وهذه نقطة مهمة في قراءة المذكرات عموماً: الذاكرة الشخصية تختلف عن الرواية التاريخية النهائية. فالمؤلف يروي ما رآه وسمعه وما انطبعه في ذاكرته، ولذلك فإن قيمة مذكراته لا تعني بالضرورة أن كل رواية فيها تغني عن الوثيقة أو الشهادة الأخرى، بل إن أهميتها تتعاظم عندما توضع إلى جانب المصادر الرسمية والمذكرات الأخرى والدراسات التاريخية.

ومن هنا يمكن للباحث أن يقارن بين رواية الحبوبي وروايات الشخصيات التي يتحدث عنها، وأن يدرس نقاط الاتفاق والاختلاف بينها، وصولاً إلى صورة أكثر تركيباً للمرحلة.

أهمية الكتاب للباحثين والأجيال القادمة

إن القيمة الأساسية لكتاب «مذكرات أحمد الحبوبي: أشخاص كما عرفتهم» تتجاوز متعة القراءة واستعادة الذكريات؛ فهو يمثل وثيقة من وثائق الذاكرة السياسية العراقية. وتبرز أهميته بصورة خاصة أمام الباحثين في التاريخ السياسي والاجتماعي للعراق في القرن العشرين، والدارسين للعلاقات العراقية العربية، وكذلك المهتمين بتاريخ التيارات القومية والحزبية والعسكرية والدينية والثقافية.

فالوثائق الرسمية غالباً ما تسجل القرارات والبيانات والمناصب والتواريخ، لكنها لا تسجل بالقدر نفسه تفاصيل اللقاءات الإنسانية، والانطباعات، والحوارات، وطبيعة العلاقات بين الشخصيات. وهذه التفاصيل هي التي تمنح المذكرات قيمتها، لأنها تساعد على فهم البيئة التي تشكلت فيها القرارات والمواقف.

كما أن الكتاب مهم للأجيال القادمة؛ لأن التاريخ لا يُحفظ بالوثائق وحدها، وإنما يُحفظ أيضاً بشهادات الذين عاشوا الأحداث. وكلما ابتعد الزمن عن تلك المرحلة، أصبحت المذكرات الشخصية أكثر أهمية، لا باعتبارها الحقيقة الوحيدة، وإنما باعتبارها صوتاً من أصوات الماضي ينبغي ألا يضيع.

ولعل ما يميز تجربة الحبوبي أنه اختار أن يجعل «الأشخاص كما عرفهم» محوراً لمذكراته، وهي فكرة تمنح الكتاب طابعاً خاصاً؛ إذ تتحول الشخصيات إلى مفاتيح لقراءة مرحلة كاملة. فكل اسم يفتح باباً على حدث، وكل لقاء يقود إلى سياق سياسي، وكل موقف شخصي يمكن أن يساعد في فهم جانب من جوانب العراق والعالم العربي في تلك السنوات.

وفي المحصلة، يمكن النظر إلى «مذكرات أحمد الحبوبي: أشخاص كما عرفتهم» باعتباره كتاباً يجمع بين السيرة الشخصية والشهادة السياسية وذاكرة العلاقات الإنسانية. وهو لا يقدم تاريخ العراق في الستينات بصفته كتاباً أكاديمياً أو دراسة تحليلية، وإنما يقدم شيئاً مختلفاً ومكملاً: التاريخ كما انعكس في ذاكرة رجل كان قريباً من السياسة وصناع القرار وشاهد جانباً من الأحداث من داخلها.

اكتشاف عالم سياسي

ولهذا فإن أهمية الكتاب لا تتوقف عند جيل عاصر الشخصيات والأحداث التي يرويها، بل تمتد إلى الأجيال التي لم تعش تلك المرحلة. فالقراءة المتأنية له تتيح اكتشاف عالم سياسي عراقي وعربي كان شديد التعقيد، وتدفع إلى إعادة النظر في كثير من الشخصيات والأحداث من خلال شهادات مباشرة أو قريبة من الحدث.

ومن هنا تأتي قيمة هذا النوع من الكتب: أنها تحفظ للزمن أصوات رجاله، وتمنح المؤرخ مادة أولية تساعده على إعادة بناء الماضي، وتمنح القارئ العادي فرصة للاقتراب من شخصيات طالما عرفها من صفحات الكتب، لكنه يراها في هذه المذكرات من زاوية إنسانية أكثر قرباً وحيوية. وبذلك يصبح كتاب أحمد الحبوبي إضافة مهمة إلى مكتبة المذكرات السياسية العراقية، ومصدراً يستحق القراءة والحفظ والدراسة، خصوصاً لكل من يريد أن يفهم العراق في واحدة من أكثر مراحله السياسية حساسية وتحولاً في القرن العشرين.

 

 

 


مشاهدات 47
الكاتب عصام البرّام
أضيف 2026/08/24 - 3:16 PM
آخر تحديث 2026/08/25 - 1:38 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 124 الشهر 31184 الكلي 16120888
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/8/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير