الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين تصبح الثقافة ذاكرة وطن.. في ذكرى تأسيس وزارة الثقافة العراقية


حين تصبح الثقافة ذاكرة وطن.. في ذكرى تأسيس وزارة الثقافة العراقية

لمى الربيعي

 

ليست الثقافة ترفًا يُضاف إلى حياة الشعوب، ولا نشاطًا موسميًا تحضر فيه الكتب واللوحات والأمسيات ثم تنصرف بانتهاء المناسبة؛ إنها الذاكرة التي تحفظ للأوطان ملامحها، واللغة التي تحكي للأجيال حكاية المكان والإنسان والتاريخ.

وفي ذكرى تأسيس وزارة الثقافة العراقية، نستعيد حضور مؤسسة ارتبط اسمها على امتداد مسيرتها بواحدة من أكثر المهام أهمية وحساسية: حماية الثقافة العراقية ورعاية الإبداع وصون الذاكرة الوطنية.

فالعراق، الذي أنجب الحضارات وترك على ضفاف دجلة والفرات صفحات مضيئة في تاريخ الإنسانية، لا يمكن اختزال ثقافته في مرحلة زمنية أو مؤسسة واحدة. غير أن وجود وزارة تُعنى بالشأن الثقافي منح هذا الإرث إطارًا مؤسساتيًا يسهم في رعايته وتوثيقه وإيصاله إلى الأجيال

مرّت المؤسسة الثقافية الرسمية في العراق بمراحل وتغيّرت تسمياتها وتشكيلاتها واختصاصاتها عبر الزمن، إلا أن الثابت بقي هو الحاجة إلى رعاية الثقافة والفنون والآداب، وحفظ التراث، وتوثيق النتاج الفكري والإبداعي العراقي.

واليوم تحمل الوزارة اسم وزارة الثقافة والسياحة والآثار، في انعكاس لاتساع المسؤوليات المرتبطة بالهوية العراقية؛ فالثقافة لا تنفصل عن الآثار والتراث والسياحة، وكلها حلقات متصلة في صورة العراق الحضارية.

وتبرز ضمن تشكيلاتها مؤسسات ثقافية ومعرفية تؤدي أدوارًا مهمة في حفظ الذاكرة العراقية، وفي مقدمتها دار الكتب والوثائق الوطنية، التي تمثل مستودعًا مهمًا للوثائق والمصادر التي يحتاج إليها الباحثون والمهتمون بتاريخ العراق. وقد أكدت الدار في السنوات الأخيرة اهتمامها بحماية الوثائق النادرة، وتطوير مخازن الحفظ، والعمل على مشروع المكتبة الرقمية لإتاحة المعرفة بصورة أوسع.

وحين نتحدث عن وزارة الثقافة، فإننا لا نتحدث عن الكتب وحدها، ولا عن المسرح والفنون التشكيلية والموسيقى والأدب بمعزل عن بعضها؛ بل عن منظومة واسعة تشكل الوعي الجمعي.

فالشاعر الذي يكتب قصيدته، والروائي الذي يوثق حكاية مدينة، والفنان الذي يرسم تفاصيل بغداد القديمة، والمسرحي الذي يضع أسئلة المجتمع على الخشبة، والباحث الذي ينقب في وثيقة قديمة، والحرفي الذي يحافظ على حرفة تراثية من الاندثار؛ جميعهم يشاركون في صناعة المشهد الثقافي العراقي.

ومن هنا تأتي أهمية المؤسسات الثقافية في أن تكون قريبة من المبدع، وأن تمنحه المساحة التي يحتاجها ليقدم مشروعه، وأن تجعل الثقافة حاضرة في حياة الناس لا محصورة في القاعات الرسمية.

ربما تكون إحدى أهم مسؤوليات الثقافة العراقية اليوم هي حماية الذاكرة من النسيان. فالعراق يمتلك أرشيفًا هائلًا من الصور والوثائق والمخطوطات والكتب والحكايات الشعبية والأزياء والأغاني والحرف والموروث الشفهي، وكل واحدة منها تمثل قطعة من هوية بلد عاش قرونًا طويلة من التحولات.

وقد أدركت المؤسسات الثقافية أهمية هذه الذاكرة، فكانت المعارض الوثائقية والفعاليات التراثية والمشروعات الرقمية وسائل لإعادة تقديم التاريخ إلى الأجيال الجديدة. وتؤكد دار الكتب والوثائق، على سبيل المثال، دورها بوصفها مؤسسة رسمية لحفظ التاريخ والتراث والوثائق العراقية وإتاحتها للباحثين.

وفي زمن أصبحت فيه المعلومة تنتقل خلال ثوانٍ عبر الهاتف، لم تعد المحافظة على التراث تعني الاحتفاظ به في خزائن مغلقة فقط، بل تعني أيضًا رقمنته وتعريف الشباب به وتقديمه بلغة العصر.

إن الاحتفال بذكرى تأسيس وزارة الثقافة لا ينبغي أن يكون مجرد استذكار لتاريخ مضى، بل فرصة لطرح سؤال أكثر أهمية: ماذا نريد من ثقافتنا العراقية في المستقبل؟

اننا نريد ثقافة تفتح أبوابها للشباب، وتحتضن المواهب الجديدة، وتعيد للكتاب مكانته، وتدعم المسرح والفنون، وتحافظ على التراث، وتستثمر التكنولوجيا في نشر المعرفة، وتمنح المثقف العراقي مساحة حقيقية للحضور والتأثير.

ونريد مؤسسة ثقافية ترى في التنوع العراقي مصدر قوة، وفي الاختلاف ثراءً، وفي الثقافة جسرًا بين أبناء الوطن.

فالثقافة تستطيع أن تفعل ما لا تستطيع السياسة أحيانًا فعله؛ أن تجمع الناس حول كتاب، أو قصيدة، أو لوحة، أو أغنية، أو حكاية من حكايات الأجداد.

في بغداد، حيث تختلط رائحة الورق القديم بعبق المقاهي والحكايات، وحيث كان الشعر وما زال جزءًا من هوية المدينة، تبدو الثقافة أكثر من عنوان لوزارة. إنها ذاكرة بغداد، وأغاني الجنوب، وحكايات الموصل، وألوان كردستان، ونخيل البصرة، وموروث الأنبار، وكل تفاصيل المدن العراقية التي صنعت معًا صورة وطن غني بالتنوع.

ولهذا فإن مسؤولية وزارة الثقافة والسياحة والآثار تتجاوز إدارة الفعاليات إلى المساهمة في حماية هذه الصورة من التشويه أو النسيان، وتحويلها إلى مشروع مستمر للأجيال.

في كل ذكرى تأسيس، نحتفي بالبداية، لكن الأهم أن ننظر إلى المستقبل.فالعراق لا يحتاج إلى أن يتحدث عن حضارته فقط، بل يحتاج إلى أن يجعل من هذه الحضارة قوة حاضرة في حياة أبنائه.والثقافة هي إحدى الطرق الأكثر جمالًا لتحقيق ذلك.

لذلك، فإن ذكرى تأسيس وزارة الثقافة العراقية ليست مناسبة للاحتفال بمؤسسة فحسب، بل مناسبة للاحتفاء بالعقل العراقي، والكتاب العراقي، والفنان والشاعر والمسرحي والباحث والحرفي، وبكل إنسان يحاول أن يترك أثرًا جميلًا في ذاكرة وطنه.

فالأوطان لا تحفظها الجدران وحدها، ولا تبقى في الخرائط فقط؛الأوطان تبقى حين تحفظ ذاكرتها، وتصون ثقافتها، وتمنح مبدعيها فرصة لأن يكتبوا الحكاية القادمة.

وكل عام والثقافة العراقية بخير، وكل عام والعراق أكثر حضورًا بجمال تاريخه وإبداع أبنائه.


مشاهدات 49
الكاتب لمى الربيعي
أضيف 2026/08/23 - 2:26 PM
آخر تحديث 2026/08/23 - 11:51 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1722 الشهر 29326 الكلي 16119030
الوقت الآن
الأحد 2026/8/23 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير