الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
البطانة الفاشلة وأثرها في إنهيار النجاح المؤسسي

بواسطة azzaman

البطانة الفاشلة وأثرها في إنهيار النجاح المؤسسي

عباس التميمي

 

ليس كل انهيارٍ مؤسسي يبدأ بقرارٍ خاطئ، ولا كل فشلٍ إداري يكون سببه ضعف القائد أو قصور الرؤية. فكثيراً ما تكون البطانة المحيطة بصاحب القرار هي المعول الذي يهدم ما يحاول القائد بناءه، وهي الثقب الصغير الذي يتسرب منه الفشل حتى يغرق السفينة بأكملها.

لقد أدركت الأمم منذ القدم خطورة البطانة، لأن الحاكم أو المسؤول مهما امتلك من قدرات وخبرات يبقى أسيراً لما يصله من معلومات، وما يُعرض عليه من رؤى، وما يُحجب عنه من حقائق. ولذلك كانت البطانة الصالحة ضمانة للنجاح، بينما كانت البطانة الفاشلة بوابةً واسعة للسقوط.

والمشكلة لا تكمن دائماً في بطانةٍ تمارس الفساد بصورة مباشرة، بل في ذلك النوع من الحاشية التي تتحول إلى عبءٍ على المؤسسة وعلى المسؤول في آنٍ واحد. أشخاص يتكاثرون حول مركز القرار دون أن يضيفوا قيمة حقيقية، يحملون ألقاباً كبيرة ومناصب رنانة، لكنهم في الواقع مجرد مستهلكين للموارد، ومتطفلين على الإنجاز، ومتخصصين في صناعة الضجيج أكثر من صناعة الحلول.

إن أخطر ما في هذه الحاشية أنها لا تعيش على النجاح، بل على القرب من السلطة. فهي لا تبحث عن تطوير المؤسسة، وإنما عن تعظيم مكاسبها الشخصية. وكلما ازداد نفوذها ازدادت المسافة بين المسؤول والحقيقة، حتى يصبح محاطاً بجدارٍ سميك من المديح والتبرير والتضليل.

وفي كثير من الأحيان تتحول بعض المواقع الاستشارية إلى مجرد واجهات شكلية لا تنتج فكرة ولا تقدم رؤية. فالمستشار الذي لا يمتلك علماً أو خبرة أو ثقافة استراتيجية لا يصبح مستشاراً للمسؤول، بل عبئاً عليه. وما أكثر المؤسسات التي امتلأت بعناوين كبيرة وأدوار صغيرة، حتى أصبح بعض أصحاب المناصب يستهلكون من المال العام أضعاف ما يقدمونه من منفعة للمؤسسة أو المجتمع.

وحين تغيب الكفاءة وتحضر المصالح، تبدأ مرحلة أخطر؛ إذ تستغل بعض عناصر الحاشية قربها من مركز القرار لتحقيق مكاسب شخصية، أو للتأثير في التعيينات والعقود والصفقات والعلاقات الإدارية. وقد يحدث ذلك أحياناً دون علم المسؤول نفسه، لكنه في النهاية هو من يتحمل المسؤولية السياسية والإدارية والأخلاقية عن كل ما يجري باسمه وتحت سلطته.

كرسي القيادة

فالرأي العام لا يفرّق بين القائد وحاشيته، والتاريخ لا يسجل أسماء المصفقين بقدر ما يسجل اسم من جلس على كرسي القيادة. ولذلك فإن كل تصرفٍ عبثي، وكل استغلالٍ للنفوذ، وكل صورةٍ سلبية تصدر من المحيطين بالمسؤول، تلتصق أولاً وأخيراً بصورة المسؤول ذاته، حتى وإن لم يكن شريكاً فيها.

إن الحاشية الفاشلة لا تكتفي باستنزاف الموارد المالية، بل تستنزف هيبة الدولة والمؤسسة. فهي تُقصي الكفاءات لأنها تخشاها، وتحارب المبدعين لأنها تعجز عن منافستهم، وتفضل الولاء على الخبرة، والتصفيق على النقد، والطاعة العمياء على الرأي الحر. وهكذا تتحول المؤسسة تدريجياً إلى دائرة مغلقة يتبادل أفرادها المنافع بينما تتراجع جودة القرار وتتآكل الثقة العامة. ولعل أكثر ما يهدد أي مسؤول ليس معارضة خصومه، بل صمت المخلصين من حوله. فعندما تصبح أبواب المسؤول مفتوحة للمتملقين ومغلقة أمام أصحاب الرأي الصادق، يكون قد بدأ رحلة العزلة عن الواقع، وهي الرحلة التي انتهت بكثير من القادة إلى الفشل وهم يظنون أنهم يحققون النجاح.

إن المؤسسات القوية لا تُبنى بعدد المستشارين، بل بنوعية العقول التي تقدم المشورة. ولا تُقاس قوة الدولة بكثرة الحاشية، بل بقدرتها على استقطاب الكفاءات ومحاسبة المقصرين. فالقائد الناجح هو الذي يختار من يصحح له أخطاءه، لا من يزينها، ومن يخبره بالحقيقة، لا من يبيع له الوهم.

ويبقى الدرس الأهم أن النجاح المؤسسي لا يُغتال دائماً من الخارج، بل كثيراً ما يُطعن من الداخل. وعندما تتحول البطانة إلى شبكة مصالح، والحاشية إلى مركز نفوذ، والمستشار إلى لقبٍ بلا مضمون، فإن السقوط يصبح مسألة وقت، لأن المؤسسات لا تنهار عندما يكثر أعداؤها، بل عندما يكثر المنتفعون حولها.

ويتجلى فساد هذه البطانة أو الحاشية عند نهاية ولاية الحكومات أو سقوط الحكومات ومغادرتهم السلطة حتى تبدأ مرحلة جدية من الملاحقات بحقهم وفضح فسادهم وخاصة الفساد المالي الذي تظهره الوثائق أو الفديوات  وغيرها وتبدأ تصفيتهم ممن ملكوه باطلا والبعض لم يتمكن من القبض عليهم لهروبهم خارج البلاد

كشف حقائق

وتبلغ خطورة البطانة الفاشلة ذروتها عند نهاية عمر الحكومات أو الإدارات أو عند انتقال السلطة من فريق إلى آخر، فهناك تتكشف الحقائق التي كانت مخفية خلف جدران النفوذ والحماية. وما إن تضعف المظلة التي كانت توفر لهم الحصانة حتى تبدأ الملفات المغلقة بالظهور إلى العلن، وتخرج الوثائق والتسجيلات والشهادات التي تكشف حجم التجاوزات التي مورست باسم السلطة أو تحت غطائها.

وفي كثير من الحالات يتبين أن بعض أفراد هذه الحاشية لم يكونوا شركاء في صناعة القرار بقدر ما كانوا شركاء في استثمار السلطة لتحقيق المنافع الشخصية، مستغلين قربهم من مراكز النفوذ للحصول على امتيازات أو عقود أو مكاسب لا تستند إلى استحقاق قانوني أو إداري. وعندها تتحول الأسماء التي كانت تتصدر المشهد إلى موضوع لتحقيقات وملاحقات قضائية وإدارية، وتصبح الوقائع التي كانت تُنفى بالأمس مادة للرأي العام اليوم.

ولعل المفارقة المؤلمة أن كثيراً من هؤلاء كانوا يقدمون أنفسهم بوصفهم حراساً للولاء والمدافعين عن المؤسسة، بينما تكشف الأحداث اللاحقة أن ولاءهم الحقيقي كان للمصلحة الشخصية لا للمصلحة العامة. لذلك نرى أن بعضهم يختفي من المشهد فور زوال السلطة التي احتمى بها، وبعضهم يحاول التنصل من ماضيه، فيما يجد آخرون أنفسهم أمام مساءلات قانونية أو أخلاقية أو مجتمعية قد تمتد لسنوات طويلة.

إن سقوط الحكومات أو تبدل الإدارات لا يصنع الفساد، بل يكشف ما كان مستتراً منه. فالحاشية الفاسدة تعيش غالباً في ظل النفوذ، لكنها تفقد قدرتها على الاختباء عندما تنكشف الوثائق وتتحدث الأرقام وتظهر الحقائق. وعندها يدرك الجميع أن الخطر الحقيقي لم يكن في الخصوم الخارجيين للمؤســـسة، بل في أولئك الذين كانوا يقفون في الصفوف الأمامية مدّعين الحماية وهم يمارسون الاستنزاف من الداخل.

ولهذا فإن الحكمة الإدارية تقتضي ألا يُقاس الرجال بدرجة قربهم من السلطة، وإنما بمـــــــــــقدار نزاهتهم وكفاءتهم وقدرتهم على البقاء محترمين بعد مغادرتها؛ لأن من يحميه المنصب يسقط بسقوطه، أما من تحميه القيم والمبادئ فيبقى ثابتاً حتى بـــــــــــــعد أن يغادر الكرسي.

ولذلك قيل قديماً: «إذا فسد المستشار ضلّ القرار، وإذا ضلّ القرار ضاعت الدولة». وما أشبه الأمس باليوم

 

 


مشاهدات 62
الكاتب عباس التميمي
أضيف 2026/08/23 - 4:10 PM
آخر تحديث 2026/08/23 - 11:51 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1723 الشهر 29327 الكلي 16119031
الوقت الآن
الأحد 2026/8/23 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير