الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الذكريات للتعلّمِ لا للإقامةِ

بواسطة azzaman

الذكريات للتعلّمِ لا للإقامةِ

محمد خضيرِ الأنباريِ

 

    ليسَ الماضي وطنا، وإنْ عاشتْ فيهِ أرواحنا زمنا طويلا، وليسَ المستقبلُ مجهولاً مخيفا كما يتصورهُ منْ أثقلهِ الحنين، بلْ هوَ المساحة التي منحها اللهُ للإنسانِ ليزرعَ فيها عمله وأمله وإيمانه.

     إنَ بعضَ الأشخاص يقفونَ طويلاً عندَ أبوابٍ الأمس، ينظرونَ إلى الوراءِ أكثر مما ينظرونَ إلى الأمام، فيجعلونَ منْ ذكرى جميلةٍ انتهت، أوْ تجربة مؤلمة مضت، عالما يعيشونَ فيهِ كلَ يوم. ومعَ مرورِ الزمنِ تصبحُ الذكرياتُ أقوى منْ الواقع، ويغدو الحنين قيدا يمنعهمْ منْ رؤيةِ الفرصِ التي تفتحها الحياة أمامهم.

    ما أعجبَ الإنسان! فقدْ يحزنُ على لحظةِ سعادةٍ مضتْ أكثر مما يحزنُ على يومٍ جديدٍ يضيعُ منْ عمرهِ بلا عملٍ أوْ أمل، وكأنَ كثرةَ التمني قادرة على إعادةِ الزمن، أوْ كأنَ الحزنَ يعيدُ ما أخذهُ القدر.

   هنا يبدأُ الصراعُ بينَ عقلٍ يدركُ، أنَ الماضيَ انتهى، وقلبَ يتمنى عودته، ونفس تتأرجحُ بينَ الحقيقةِ والوهم. ونسي أنَ اللهَ لمْ يخلقْ الإنسانُ أسيرا لذكرى، ولا رهينة لحدث، بلْ جعلهُ يتعلمُ منْ أمسه، ويعيشُ يومه، ويعملُ منْ أجلِ غده.

   منْ أعظمِ النعمِ التي أنعمَ اللهُ بها على الإنسانِ نعمةْ النسيان؛ فهيَ ليستْ خيانة للذكريات، بلْ رحمةٍ تتيحُ للقلبِ أنْ يتعافى، وللإنسانِ أنْ يواصلَ طريقه، فلولا النسيانُ لبقيتْ الأحزانُ حاضرةً بكلِ تفاصيلها، ولما نهضَ مريضٌ منْ مرضه، ولا تعافى إنسانٌ منْ فقدٍ أوْ مصيبة، ولوْ بقيتْ الأفراحُ الماضيةُ حيةً كما كانت، لظلَ الإنسانُ يقارنُ واقعهُ بما مضى، وربما فقدَ القدرةَ على الاستمتاعِ بما بينَ يديه.

    إنَ النسيانَ رسالةٌ خفيةٌ تقولُ للإنسان: استمر، فالحياةُ لا تتوقفُ عندَ لحظة، ولا تبنى على الوقوف، بلْ على السيرِ إلى الأمام. لقدْ وجهَ القرآنُ الكريمُ الإنسانَ إلى العملِ والتغييرِ والأمل، فقالَ تعالى: (إنَ اللهَ لا يغيرُ ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهمْ ) سورة الرعد :11.

    يبدأ التغييرُ منْ الداخل، منْ قرارٍ صادقٍ يقولُ فيهِ الإنسانُ لنفسه: لقدْ انتهى ما مضى، وسأتعلمُ منه، لكنني لنْ أسمحَ لهُ بأنْ يسرقَ مستقبلي، كمٌ منْ إنسانٍ أضاعَ سنواتٍ منْ عمره، وهوَ ينتظرُ عودةَ زمنٍ لنْ يعود، بينما كانتْ الحياة تفتحُ أمامهُ أبوابا جديدةً لمْ يلتفتْ إليها

 إنَ منْ يرددُ دائما: (كانتْ تلكَ أجملَ أيامَ حياتي ) ، قدْ يظلمُ أيامه القادمة قبلَ أنْ يعيشها.

  كيفَ يعلمُ أنَ أجملَ أيامهِ قدْ انتهت، والله وحدهُ يعلمُ ما يخبئهُ الغد؟

    أليسْ الذي منحَ الإنسان فرحة في الماضي قادرا على أنْ يمنحهُ أفراحا أخرى في المستقبل؟

 يقولُ تعالى: وعسى أنْ تكرهوا شيئا وهوَ خيرٌ لكمْ وعسى أنْ تحبوا شيئا وهوَ شرٌ لكمْ والله يعلمُ وأنتمْ لا تعلمون. سورة البقرة: 216،  فكمْ منْ أمرٍ بكى الإنسان لفقده، ثمَ اكتشفَ بعدَ سنواتٍ أنَ رحيلهُ كانَ بدايةَ خيرٍ لمْ يكنْ يتوقعه.

  إنَ الماضيَ مدرسة، وليسَ منزلاً للسكن. ندخله؛ لنتعلم، ونستفيدَ منْ دروسه، ثمَ نغادرهُ لنواصل الحياة. أما منْ يصرُ على الإقامةِ فيه، فقدْ يفوتهُ الحاضر، ويخسرُ المستقبل.

إن السفينةُ، لا تبلغُ الشاطئَ إذا بقيتْ مربوطةً بالميناء، والطائرِ لا يعرفُ اتساعَ السماءِ ، إذا ظلَ متعلقا بعشه، والإنسان لا يصنعُ مستقبلاً جديدا، إذا بقيَ يحاورُ ظلالَ الماضي.

    إنَ سنةَ اللهِ في الكونِ هيَ التغيير؛ فالليلُ يعقبهُ النهار، والخريفَ يتبعهُ الربيع، وكلّ شيءٍ منْ حولنا يقول: لا تتوقفُ … واصل السير، ويطمئنُ اللهُ القلوبَ بقوله: (فإنَ معَ العسرِ يسرا، إنَ معَ العسرِ يسرا ) سورة الشرح : 5-6.

    لمْ يقل: بعدَ العسر، بلْ قال: معَ العسر؛ لأنَ الأملَ قدْ يولدُ في قلبِ الشدة، والفرجِ، قدْ يبدأُ منْ حيثُ لا يتوقعُ الإنسان.

   إنَ الحياةَ ليستْ ذكرى جميلة انتهت، ولا صفحة حزينة انطوت، بلْ هيَ كتاب تتجددُ صفحاته كلَ صباح .

    منْ الظلمِ أنْ نحكمَ على هذا الكتابِ منْ خلالِ صفحةٍ واحدة، أوْ أنْ نغلقهُ لأن، فصلى منهُ أفرحنا أوْ آلمنا. فلنجعلْ للماضي مكانه في الذاكرة، لا في قيادةِ حياتنا، ولنجعل الذكريات مصدرا للحكمة، لا قيودَ تمنعنا منْ التقدم، ولنمضيَ نحوَ المستقبلِ بقلوبٍ مؤمنةٍ بأنَ تدبيرَ اللهِ خير منْ أمنياتنا، وأنَ ما اختارهُ لنا قدْ يكونُ أرحمَ وأجملَ مما اخترناهُ لأنفسنا.

  لا تجعلُ الماضيَ يسرقُ مستقبلك؛ فما مضى انتهى، وما بقيَ بينَ يديك هوَ يومك، أما الغد، فقدْ يحملُ منْ الخيرِ والطمأنينةِ ما يجعلك تبتسمْ يوما حينَ تتذكرُ أنك بكيت على أمرٍ ظننته نهايةْ الحياة، فإذا بهِ كانَ بدايةَ فصلٍ أجمل.


مشاهدات 48
الكاتب محمد خضيرِ الأنباريِ
أضيف 2026/08/22 - 12:03 AM
آخر تحديث 2026/08/22 - 1:09 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 96 الشهر 25893 الكلي 16115597
الوقت الآن
السبت 2026/8/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير