الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
شراء المناصب والفساد

بواسطة azzaman

شراء المناصب والفساد

حسين علي الحمداني

 

حملة مكافحة الفساد التي نشهدها اليوم جعلت المواطن العراقي يشعر، وللمرة الأولى بهذا الوضوح، أنه يعيش في بلد تحيط به شبكات الفساد من جهات عديدة، وأن الأرقام التي يجري الإعلان عنها بشأن الأموال المختلسة أو المستردة تتجاوز أحيانًا قدرة العقل على استيعابها. مليارات، بل ترليونات من الدنانير، أموال يفترض أنها كانت قادرة على بناء مدارس ومستشفيات ومحطات كهرباء وشبكات طرق، نجد بعضها مخبأً في بيت أو جدار أو سقف ثانوي.وهنا يبرز السؤال الأهم: كيف وصلت الأمور إلى هذه الدرجة؟

الإجابة لا تكمن في موظف فاسد أو مسؤول سرق المال العام فحسب، وإنما في منظومة أوسع، تأتي المحاصصة في مقدمتها، وشراء المناصب في مقدمة أدواتها.فعندما يصبح المنصب الإداري أو السياسي قابلًا للبيع والشراء، يتحول إلى مشروع استثماري. الشخص الذي يدفع ملايين الدولارات للحصول على منصب رفيع لا ينظر إليه بوصفه مسؤولية لخدمة الدولة والمواطن، وإنما بوصفه رأس مال دفع ثمنه، وعليه أن يستعيده، ثم يحقق منه أرباحًا إضافية.المسؤول الذي اشترى منصبه لا يعمل منفردًا؛ غالبًا ما يكون مدعومًا من جهة سياسية أو شبكة مصالح، ولذلك يشعر أن وراءه حماية توفر له الاستمرار، وأن بإمكانه تعويض ما دفعه من خلال العقود والصفقات والامتيازات والتعيينات، مع الاحتفاظ بما يكفي لتأمين مستقبله إذا خرج من المنصب.وهكذا يتحول المال العام إلى مصدر لتمويل منظومة سياسية وإدارية متشابكة، ويصبح المنصب وسيلة للحصول على المال بدل أن يكون وسيلة لخدمة الناس.ولذلك فإن مكافحة الفساد لا يمكن أن تنجح بالقبض على بعض الفاسدين واسترداد الأموال فقط، رغم أهمية ذلك. المطلوب هو الوصول إلى منبع الفساد: كيف وصل هذا الشخص إلى المنصب؟ ومن رشحه؟ وكيف تم اختياره؟ ومن يقف خلفه؟ وهل حصل على المنصب وفق الكفاءة والاستحقاق أم وفق الولاء السياسي والقدرة على الدفع؟إن مكافحة الفساد تبدأ من لحظة اختيار المسؤول، وليس من لحظة اكتشاف الأموال المسروقة.ولهذا فإن إنهاء المحاصصة، أو على الأقل الحد من تأثيرها في مؤسسات الدولة، يمثل خطوة أساسية في أي مشروع حقيقي للإصلاح. فالدولة لا يمكن أن تُدار بمنطق: هذا المنصب لك، وهذا لي، وهذه المؤسسة من حصتي، وتلك المؤسسة من حصتك.

طالما بقي المنصب مرتبطًا بالحصة السياسية، سيبقى الباب مفتوحًا أمام شراء النفوذ، وطالما بقي شراء النفوذ قائمًا، سيبقى الفساد قادرًا على إعادة إنتاج نفسه حتى بعد سقوط بعض رموزه.والضحية في النهاية ليست خزينة الدولة وحدها، وإنما المواطن.فالمواطن الذي يدفع ثمن فساد المسؤول من ماله العام، يجد نفسه مضطرًا إلى شراء الكتب المدرسية لأبنائه من الأسواق، في الوقت الذي يفترض أن توفرها الدولة. ويذهب إلى المستشفى فيجد نقصًا في الأدوية والمستلزمات. وينتظر الكهرباء، ثم يعود إلى المولدات الأهلية بحثًا عن بديل لخدمة يفترض أن تكون من أبسط حقوقه.

لهذا فإن استرداد الأموال المنهوبة خطوة مهمة، لكنها ليست النهاية.

النهاية الحقيقية تبدأ عندما يصبح المنصب العام مسؤولية لا استثمارًا، والوظيفة العامة تكليفًا لا غنيمة، والكفاءة معيارًا لا الانتماء السياسي.

عندها فقط يمكن أن نقول إننا بدأنا نكافح الفساد من جذوره، لا من أوراقه الأخيرة.

 

 

 


مشاهدات 50
الكاتب حسين علي الحمداني
أضيف 2026/08/22 - 12:43 AM
آخر تحديث 2026/08/22 - 1:52 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 140 الشهر 25937 الكلي 16115641
الوقت الآن
السبت 2026/8/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير