الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
البلوكرات بين الشهرة والمسؤولية القانونية

بواسطة azzaman

البلوكرات بين الشهرة والمسؤولية القانونية

إبراهيم خليل الفهداوي

 

أصبح الظهور الإعلامي المتزايد، والمبالغ فيه، لبعض الشخصيات الناشطة على منصات التواصل الاجتماعي أحد أبرز مظاهر الإعلام الرقمي في العصر الحديث، بعد أن تجاوزت هذه المنصات الحدود الجغرافية والثقافية، وأصبحت تدخل كل بيت وتصل إلى مختلف فئات المجتمع، ولا سيما الأطفال والناشئة، في ظل ضعف الرقابة الأسرية أحيانًا، والحاجة إلى متابعة أكثر فاعلية من الجهات المختصة.

ومن أخطر الظواهر التي رافقت هذا الانفتاح الرقمي انتشار بعض ما يُعرف بـ»البلوكرات» و»الفاشينيستات» وصناع المحتوى الذين يسعون إلى تحقيق الشهرة وزيادة عدد المشاهدات والإعجابات من خلال نشر محتوى يتضمن ألفاظًا نابية، أو إساءات للآخرين، أو سلوكيات تخدش الحياء العام، أو مشاهد تُشجع على الانحلال الأخلاقي، بما يسهم في إشاعة الفاحشة والتطبيع مع الألفاظ والسلوكيات التي تتنافى مع قيم المجتمع العراقي وأعرافه.

ولا يمكن اعتبار هذا النوع من المحتوى ممارسةً مشروعة لحرية الرأي والتعبير، لأن حرية التعبير حقٌ كفله الدستور العراقي، إلا أنها ليست حقًا مطلقًا، بل تُمارس في إطار احترام النظام العام والآداب العامة وحقوق الآخرين وكرامتهم. وعندما تتحول حرية الرأي إلى وسيلة للسب والقذف والتشهير أو نشر المحتوى الفاضح والمخل بالحياء العام، فإنها تخرج عن نطاق الحماية القانونية، وتصبح أفعالًا قد تُرتب مسؤولية قانونية وفق أحكام قانون العقوبات العراقي، الذي يجرّم عددًا من الأفعال المتعلقة بخدش الحياء العام، والسب والقذف والتشهير، وغيرها من الجرائم التي تمس النظام العام والآداب.

إن استمرار هذا النوع من المحتوى لا يهدد الأفراد فحسب، بل يمتد أثره إلى الأسرة العراقية، ويقوض منظومة القيم الأخلاقية والاجتماعية التي تميز المجتمع العراقي، القائم على المحافظة على الشرف والعفة والحياء واحترام الآخرين. كما أن الأطفال والمراهقين هم الأكثر تأثرًا بهذه النماذج؛ إذ يميل بعضهم إلى تقليد الشخصيات المؤثرة دون إدراك لما تحمله تلك السلوكيات من آثار سلبية على أخلاقهم وسلوكهم ومستقبلهم.

ومن المنظور الإسلامي، فإن نشر الفاحشة أو الدعوة إليها أو الترويج لها يُعد أمرًا مرفوضًا شرعًا، لما يترتب عليه من إفساد للأخلاق وتهديد لاستقرار المجتمع. والعراق، بما يحمله من مكانة دينية وحضارية، وباعتباره موطنًا لكثير من العلماء والأئمة والصالحين، يمتلك إرثًا أخلاقيًا وثقافيًا عريقًا يستوجب المحافظة عليه، وتعزيز قيم الفضيلة والاحترام والالتزام بالآداب العامة.

ومن هنا، فإن التصدي لهذه الظاهرة يتطلب تكامل أدوار الأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلامية، إلى جانب الجهات المختصة بتطبيق القانون، بما يضمن حماية المجتمع من المحتوى الهابط، ويحافظ على حرية التعبير بوصفها حقًا مسؤولًا، لا وسيلة للإساءة أو إشاعة الفاحشة أو هدم القيم التي نشأ عليها المجتمع العراقي.


مشاهدات 54
الكاتب إبراهيم خليل الفهداوي
أضيف 2026/08/12 - 2:09 PM
آخر تحديث 2026/08/13 - 1:20 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 619 الشهر 13757 الكلي 16103461
الوقت الآن
الخميس 2026/8/13 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير