حين يتحوّل السفر إلى معرفة
قصر الشروانشاهيين ومتحف الكتب المصغرّة في باكو
اذربيجان - حمدي العطار
لكل رحلة نهاية لكن بعض النهايات تكون أكثر قدرة على البقاء في الذاكرة من بداياتها. وفي اليوم الأخير من رحلتنا إلى أذربيجان كنت قد عزمت على أن أخصص الوقت للراحة والاستجمام مستمتعا بمرافق الفندق من مسبح وحمام ساونا، بعد أيام حافلة بالتنقل بين المدن والمواقع السياحية. غير أن سحر السفر كثيرا ما ينتصر على رغبة الاسترخاء، فالرحالة الحقيقي لا يقاوم إغراء اكتشاف مكان جديد ما دام الوقت يسمح بذلك.
كتب مصغرة
تذكرت أن هناك معلمين مهمين في قلب مدينة باكو القديمة لم أزرهما بعد، هما قصر الشروانشاهيين ومتحف الكتب المصغرة. انطلقنا في الصباح الباكر وكانت لدي خشية من أن يكونا مغلقين لأن اليوم كان يوم الأحد لكنه كان من حسن الحظ أن أبوابهما كانت مفتوحة، تستقبل الزوار من مختلف أنحاء العالم فكانت فرصة ثمينة لاختتام الرحلة بمحطتين ثقافيتين مميزتين. يقع قصر الشروانشاهيين في قلب المدينة القديمة «إيشيري شهر»، ويعد من أبرز الشواهد المعمارية والتاريخية في أذربيجان. وقد شيد في القرن الخامس عشر ليكون المقر الرسمـــــي لحكام دولة شيروان، وأدرج اليوم ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو لما يمثله من قيمة تاريخية وفنية كبيرة.يضم المجمع الملـــــــكي مجموعة من الأبنية التي تعكس روعة العمارة الإسلامية في منطقة القوقاز، أبرزها المبنى الرئيسي الذي يحتضن قاعات تعرض مقتنيات أثرية وعملات تاريخية وسجادا نفيسا من مدينة شماخي، إلى جانب مسجد القصر الذي يعود إلى عام 1441م، وضريح الأسرة الحاكمة الذي يضم أيضا مرقد العالم والمتصوف سيد يحيى الباكوفي.كما يضم المجمع الحمامات الملكية التي شيدت تحت مستوى الأرض، وهي مثال متقدم للهندسة المعمارية في ذلك العصر، فضلا عن بوابة الديوان المزخرفة التي تمثل إحدى أجمل نماذج الفن الزخرفي الشرواني. ويمنح القصر زواره فرصة التقاط صور تذكارية بالأزياء التقليدية القديمة، في تجربة تعيدهم إلى أجواء البلاط الملكي قبل أكثر من خمسة قرون.
وعلى بعد خطوات قليلة من القصر، كانت محطتنا الثانية أكثر إدهاشا مما توقعت. إنه متحف الكتب المصغرة ذلك المكان الصغير بحجمه، الكبير بما يختزنه من كنوز معرفية. يعد المتحف فريدا من نوعه، إذ يضم أكبر مجموعة خاصة من الكتب المصغرة في العالم، وهو إنجاز سجلته موسوعة غينيس للأرقام القياسية. وما إن تدخل إليه حتى تجد نفسك أمام آلاف الكتب الصغيرة القادمة من مختلف دول العالم، بعضها لا يتجاوز حجمه سنتيمترين، بل إن بعض النسخ اليابانية لا تزيد أبعادها على 2×2 مليمتر، ولا يمكن قراءة صفحاتها إلا بواسطة عدسة مكبرة.
ثقافات متعددة
ومن بين أثمن مقتنيات المتحف نسخة مصغرة من القرآن الكريم تعود إلى القرن الثامن عشر، إلى جانب كتب نادرة بلغات وثقافات متعددة، تجعل من هذا المكان رسالة تؤكد أن قيمة الكتاب لا تقاس بحجمه، وإنما بما يحمله من معرفة وحضارة.وما يضفي جمالا إضافيا على هذه التجربة أن الدخول إلى المتحف مجاني، ليبقى مفتوحا أمام الجميع، مؤكدا أن الثقافة والمعرفة حق لكل إنسان.غادرنا المدينة القديمة ونحن نشعر بأن هذه الزيارة كانت خير ختام لرحلتنا إلى أذربيجان. فمن بين القصور التي تحكي تاريخ الملوك، والكتب الصغيرة التي تختزن ذاكرة الشعوب، أدركت أن السفر لا يقتصر على مشاهدة المناظر الطبيعية، بل هو رحلة لاكتشاف الإنسان وإبداعه، وقراءة التاريخ من خلال الحجر والكتاب معا.
هكذا أسدل الستار على أيام جميلة في أذربيجان لكنها لم تكن نهاية للحكاية، بل بداية لذكريات ستظل ترافقنا طويلا، ولإيمان يتجدد بأن أجمل ما يقدمه السفر هو أنه يترك في الروح نافذة مفتوحة على ثقافات العالم وشعوبه.