ذاكرة المكان وحجاج المرجعية.. بوشر في مجد عمان وحياة تتوارى
سعد التميمي
ليست الذاكرة في كتاب (مقالات مجد عمان) للسيد قحطان بن ناصر البوسعيدي مجرد عودة إلى زمن مضى، ولا استعادةً حنينية لحياة أخذت تتوارى تحت ثقل التحولات الاجتماعية والاقتصادية؛ إنها، في بعض مقالات الكتاب، فعلٌ من أفعال بناء المعنى، تتحول فيه الذاكرة من مادة للتذكر إلى وسيلة لقراءة الحاضر ومحاورته،وتكشف مقالة (الحياة في بوشر قبل عام 1970م) بوضوح عن هذه الوظيفة؛ فالسيد قحطان بن ناصر البوسعيدي بالإضافة الى استعادة صورة مدينة بوشر بوصفها مكانًا جغرافيًا ، يعيد عالمها الاجتماعي بتفاصيله اليومية، وأعماله، وأدواته، وطبقاته، وعلاقاته، ثم ينقل هذا العالم من دائرة الوصف إلى دائرة السؤال والقيمة والموقف.
افتتاحية المقال
ومن هنا تبدو المقالة، في بنيتها العميقة، أبعد من أن تكون سجلًا إثنوغرافيًا لحياة قديمة؛ إنها خطاب ذاكرة يتجه إلى مخاطب معاصر، ويحاول أن يجعله يرى المسافة بين الماضي والحاضر، ولذلك فإن افتتاحية المقالة: (الحياة في بوشر قبل عام 1970م تبدأ من (الغبشة) قبل طلوع الفجر بساعة أو أقل بقليل وتنتهي بعد صلاة العشاء)،تضع المتلقي منذ البداية داخل إيقاع حياة مختلفة؛ حياة لا يقاس زمنها بالساعة الحديثة، وإنما بدورة العمل والضوء والصلاة والحاجة.وهنا تبرز أهمية المقام التداولي في إنتاج المعنى؛ فالملفوظ لا يستمد دلالته من ألفاظه وحدها، وإنما من علاقته بالمتكلم والمخاطب والظرف الذي قيل فيه، وقد أصبح الحجاج، في بعض الاتجاهات التداولية الحديثة، جزءًا من بنية القول لا وظيفة خارجية تضاف إليه؛ فديكرو وأنسكومبر ينظران إلى اللغة بوصفها حاملة لتوجيهات حجاجية، بحيث يقود قولٌ إلى نتيجة داخل المسار الذي يبنيه الخطاب، وعلى هذا الأساس، فإن العبارة الأولى في المقالة تؤسس مسارًا حجاجيًا قبل أن يظهر الحجاج صراحة، إنها تضع الماضي بوصفه عالمًا مكتمل الإيقاع، ثم تترك للخطاب أن يراكم تفاصيله، فالسيد قحطان يقول عن النساء إنهن كنّ يخرجن (لجلب الماء وتعبئة الأواني الفارغة)، و(حلب الحيوانات)، و(مخض الروب)، و(كنس البيت)، و(تهيئة الأطفال)، ثم يعدد أعمالًا أخرى تمتد إلى الحطب والأعشاب والعسل وخياطة الملابس وإعداد الطعام وصناعة السعفيات والغزل، أما الرجال فيذهبون إلى الفلج، والمسجد، والمزارع، والأسواق، والجبال، ويقومون بالسقي والحراثة والتسميد وقطف الرطب والليمون وصناعة الأدوات وبناء البيوت وإصلاح الأفلاج، فقد تبدو هذه الكثافة التفصيلية للوهلة الأولى مجرد تسجيل لمفردات الحياة اليومية، لكنها في الحقيقة تؤدي وظيفة حجاجية مهمة: إنها تجعل الماضي قابلًا للرؤية، فالسيد قحطان لا يقول لنا إن الحياة كانت شاقة، بل يجعلنا نراها في شبكة الأعمال التي لا تنتهي، ولا يقول إن المجتمع كان منتجًا، وإنما يعدد الأشياء التي كان الإنسان يصنعها بيده، والأدوات التي يستعملها، والطرق التي يحصل بها على طعامه ووقوده وموارده.
وهذا ما يمكن أن نسميه الحجاج بالتفصيل؛ إذ تتحول كثرة الجزئيات إلى قرائن تتراكم في اتجاه نتيجة لا يصرح بها الكاتب في البداية، إن تعداد (السعف والخوص والثيجان والمراحل والمياشين والزبلان والجبيب والمبادع والقفران) ليس معجمًا للماضي فقط، وإنما هو أرشيف لغوي لحضارة العمل، فكل لفظة تحمل وراءها فعلًا، وكل أداة تحيل إلى حرفة، وكل حرفة تحيل إلى حاجة، وكل حاجة تكشف نمطًا من أنماط الاعتماد على الذات.
ومن هنا تتخذ اللغة المحلية وظيفة تتجاوز التوثيق، فإبقاء السيد قحطان على ألفاظ مثل (الغبشة، والسكيك، والسيح، والفلج، والبيادير، والحمامير، والشواوي، والزطوط) يحقق ما يمكن تسميته حجاج الهوية المعجمية؛ فاللغة لا تصف المكان من خارجه، وإنما تستعيده من داخله، والمفردة المحلية هنا علامة على عالم ثقافي كامل وليست شرحًا لمعنى مجهول، ولهذا فإن تعريف الكاتب بهذه المفردات يحقق فعلًا مزدوجًا: يحفظ اللفظة من الاندثار، ويجعل القارئ المعاصر قادرًا على الدخول إلى العالم الذي أنتجها.
ويتجاوز هذا التوثيق الحياة اليومية، ليمتد إلى البنية الاجتماعية نفسها، فالسيد قحطان يقسم المجتمع إلى (الهناقرة) و(البيادير) و(الحمامير) و(الشواوي) و(الزطوط)، فيقدم بذلك صورة عن توزيع العمل والملكية والحرفة والتنقل، وهذه التقسيمات ليست محايدة تمامًا؛ إذ إنها تكشف عن مجتمع يقوم على التكامل والتفاوت في آن واحد، فـالهناقرة هم ملاك المزارع، وسادة المجتمع لامتلاكهم مصادر غذاء الناس، والبيادير يعملون في المزارع، والحمامير يتولون النقل، والشواوي يعيشون على الرعي، والزطوط ينتقلون بين القرى لإنجاز أعمال محددة.
مكانة اجتماعية
إن عبارة (سادة المجتمع لامتلاكهم مصادر غذاء الناس) ذات دلالة خاصة؛ لأنها لا تقدم معلومة اجتماعية فقط، وإنما تتضمن حكمًا ضمنيًا على علاقة الملكية بالسلطة، فالملكية هنا تتحول إلى مصدر للمكانة الاجتماعية، وبهذا يتجاوز الخطاب حدود السرد إلى تفسير البنية الاجتماعية، من غير أن يتحول إلى خطاب نظري مباشر، لكن الحجاج الحقيقي في المقالة لا يظهر بكامل قوته إلا في نهايتها؛ فبعد هذا السرد الطويل، الذي يمكن أن نعده سلسلة من الحجج التمهيدية، يواجه الكاتب المتلقي بسؤالين متتابعين: (هل بقي شيء من هذه الحياة في المجتمع؟ ألا يحق لنا أن نشكر من كان السبب في الرخاء الذي يعيشه العُمانيون اليوم؟) فهنا يتغير نظام الخطاب فجأة، ينتقل الكاتب من الإخبار إلى الاستفهام، ومن الوصف إلى التقويم، ومن الماضي إلى الحاضر، والسؤال الأول ليس استفهامًا حقيقيًا ينتظر جوابًا؛ إنه سؤال حجاجي يستدعي المقارنة، لقد بنى الكاتب قبل ذلك صورة الحياة القديمة بكل مشقتها، ولذلك فإن سؤال (هل بقي شيء من هذه الحياة؟) يحمل في داخله نتيجة ضمنية: إن هذه الحياة قد تغيرت، وإن الحاضر مختلف عنها اختلافًا جوهريًا.
أما السؤال الثاني: (ألا يحق لنا أن نشكر من كان السبب في الرخاء الذي يعيشه العُمانيون اليوم؟)، فيمثل درجة أعلى في السلم الحجاجي، فالكاتب ينتقل من إثارة المقارنة إلى توجيه الموقف. إن أداة الاستفهام (ألا) لا تطلب معلومة، بل تفترض جوابًا إيجابيًا، وكأن المتلقي لا يستطيع، بعد كل ما قرأه، إلا أن يشارك الكاتب في النتيجة التي يقترحها.وهنا تظهر إحدى وظائف الحجاج التي ارتبطت بالتداولية: ليس المهم فقط ما يقوله المتكلم، وإنما ما يريد من قوله أن يفعله في المتلقي، فالخطاب الحجاجي يسعى إلى توجيه المتلقي نحو نتيجة معينة، وقد بينت دراسات الحجاج اللغوي عند ديكرو وأنسكومبر أن المتتاليات اللغوية يمكن أن تنتظم بحيث تقود من قول إلى نتيجة حجاجية محددة، وبذلك يمكن أن نعيد رسم البنية الحجاجية للمقالة على النحو الآتي:
الماضي الشاق ← تفصيل الحياة والعمل ← إبراز حجم التحول ← سؤال المقارنة ← استنتاج الرخاء ← الدعوة إلى الشكر.إنها بنية لا تعلن حجتها منذ البداية، وإنما تبنيها بالتدرج، ولذلك فإن التفاصيل التي قد تبدو زائدة في القراءة الأولى تصبح، من منظور الحجاج، ضرورية؛ لأنها تشكل المقدمات التي تجعل النتيجة النهائية أكثر قابلية للقبول.
ثم يأتي الاستشهاد القرآني: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ...)، ليمنح الخطاب بعدًا جديدًا، فبعد أن كانت الحجة اجتماعية وتاريخية، تصبح الآن حجة مرجعية تستند إلى النص القرآني، وليس الاستشهاد هنا منفصلًا عن السياق؛ فهو يأتي مباشرة بعد الحديث عن العمل والجهد والتحول، وكأنه يضع تجربة المجتمع العُماني في أفق قيمي أوسع، فالآية تؤدي وظيفة حجاجية مزدوجة: فهي من جهة تعيد الاعتبار إلى العمل الذي امتلأت به تفاصيل المقالة، ومن جهة أخرى تمنح الخطاب مرجعية أخلاقية تجعل العمل قيمة تتجاوز المنفعة المادية، وبذلك يصبح الانتقال من العمل إلى الرخاء ثم إلى الشكر انتقالًا منسجمًا داخل بنية الخطاب.ويمكن هنا الاستفادة من مفهوم التناص الحجاجي؛ فالكاتب لا يستدعي النص القرآني بوصفه نصًا غريبًا عن مقالته، بل يدمجه في النسيج الدلالي الذي بناه منذ البداية، لقد كانت المقالة كلها، بطريقة ما، شرحًا عمليًا لفعل (اعملوا): المرأة تعمل، والرجل يعمل، والفلاح يعمل، والحمّار يعمل، والصانع يعمل، حتى من يذهب إلى الجبال لجمع العسل أو الحطب يمارس شكلًا من أشكال العمل، لذلك تأتي الآية في النهاية وكأنها تاج دلالي على ذاكرة العمل التي صنعتها المقالة.وهنا تتجلى براعة الخطاب في أنه لا يقول مباشرة: (لقد أصبح العمانيون في رخاء بسبب العمل والتطور)، وإنما يجعل القارئ يصل إلى هذه النتيجة عبر مسار من الصور والوقائع، وهذا هو الفارق بين التقرير والحجاج؛ فالتقرير يعلن النتيجة، أما الحجاج فيعمل على تهيئة شروط قبولها.
وهكذا يتحول الخطاب في خاتمته من الذاكرة إلى الامتنان، فالماضي لم يعد مجرد ماضٍ جميل أو شاق، وإنما صار معيارًا يُقاس به الحاضر؛ والحاضر بدوره صار سببًا للشكر، ومن ثم فإن المقالة لا تستعيد بوشر القديمة لكي تحنّ إليها فقط، بل لكي تجعل القارئ أكثر وعيًا بمسافة التحول التي تفصلها عن بوشر الجديدة.
وهنا تكمن قيمة المقالة في سياق (مقالات مجد عمان)؛ فهي تكشف أن الذاكرة يمكن أن تكون أداة حجاجية لا مجرد مخزن للماضي، فالسيد قحطان يستعيد التفاصيل لكي يصنع منها حجة على التحول، ويستدعي المكان لكي يجعل الحاضر مرئيًا، ويستعمل اللغة المحلية لكي يحفظ الهوية، ثم يستعين بالاستفهام ليشرك المتلقي، وبالقرآن ليمنح الحجة مرجعيتها، وبالدعاء ليحوّل النتيجة إلى موقف وجداني وأخلاقي.
وبهذا المعنى، فإن (الحياة في بوشر قبل عام 1970م) ليست مقالة عن الماضي بقدر ما هي مقالة في صناعة معنى الحاضر بواسطة الماضي، إنها تكتب الذاكرة كي تحاجج بها، وتوثق التفاصيل كي تقود بها إلى نتيجة، وتستدعي القرآن كي تحول التجربة التاريخية إلى قيمة، وبين أول المقالة وآخرها تتحرك اللغة من (الغبشة) قبل الفجر إلى نور الحاضر؛ ومن تعب المرأة والرجل في القرية إلى سؤال الرخاء؛ ومن وصف العمل إلى آية (وقل اعملوا)؛ ومن الذاكرة إلى الشكر.
ومن ثم فإن بلاغة المقالة لا تقوم على جمال العبارة وحده، وإنما على هندسة الخطاب: كيف يبدأ الكاتب، ماذا يختار من التفاصيل، كيف يرتبها، متى يسأل، ومتى يصرح، ومتى يستدعي المرجع، وأي نتيجة يريد أن يتركها في وعي المتلقي، وهذه هي المنطقة التي يتقاطع فيها تحليل الخطاب مع التداولية والحجاج؛ إذ يصبح النص فعلًا موجّهًا إلى قارئ، لا مجرد كلام عن موضوع، والحجاج هنا ليس إضافة إلى السرد، بل هو القوة الخفية التي تنتظم السرد كله وتدفعه، خطوة بعد أخرى، نحو النتيجة التي أرادها الكاتب:( أن نرى المسافة بين بوشر الأمس وعمان اليوم، وأن نقرأ التحول لا بوصفه رقمًا في التاريخ، بل بوصفه تجربة إنسانية تستحق أن تُروى، وأن تُفهم، وأن يُحمد الله عليها.)