الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عصر الوجوه  لا العقول

بواسطة azzaman

عصر الوجوه  لا العقول

عدنان أبوزيد

 

  قبل سنوات كان يمكن القول إننا نعيش صراعًا بين الجوهر والمظهر، أما اليوم فيبدو أن الصراع انتهى، وحُسمت النتيجة لمصلحة المظهر.

لم يعد السؤال: ماذا تعرف؟ بل: كيف تبدو؟ ولم يعد الإنسان يُقاس بما يختزنه من معرفة أو تجربة، بل بما ينجح في تسويقه عن نفسه خلال ثوانٍ على شاشة هاتف، او عبر السوشيال ميديا.

 وفي زمن الاقتصاد الرقمي، لم تعد القيمة الحقيقية تُنتج الانتباه، بل الصورة. لقد أصبح الانتباه نفسه سلعة، ومن يمتلك القدرة على خطفه يربح، بغض النظر عن عمق ما يقدمه.

هكذا انتقل المجتمع من تقدير الجوهر إلى عبادة المظهر، ومن احترام الفكرة إلى الانبهار بالغلاف.

لم تعد الثقافة وحدها تصنع المكانة، ولا المعرفة تمنح صاحبها الحضور.

حتى الوعي صار يحتاج إلى مصمم إضاءة، ومصور محترف، وخبير في صناعةالبراند الشخصي”.

الفكرة الجيدة قد تموت إذا لم تُعرض بصورة جذابة، بينما يمكن لفكرة فارغة أن تحصد ملايين المتابعين إذا أُحسن إخراجها. ولم يعد هذا التحول مقتصرًا على عالم الأزياء أو الترفيه، فقد تمدد إلى كل شيء.

 تحولت الأغنية من تجربة سمعية إلى عرض بصري، وأصبح المطرب يُقاس بحركاته أكثر من صوته.

 وتحولت الدراسة الجادة إلى استعراض للشهادات والصور مع القبعات الأكاديمية، بينما تراجع الشغف الحقيقي بالمعرفة. وحتى القراءة نفسها أصبحت في كثير من الأحيان مجرد صورة لكتاب على طاولة مقهى، لا رحلة مع أفكاره.

والرقص، الذي كان لغة تعبير واتزان وانسجام مع الجسد، انحدر في كثير من صوره إلى استعراض لتفاصيل الجسد أكثر من كونه فنًا للحركة.

والرياضة لم تسلم هي الأخرى؛ فأحيانًا يصبح تصوير التمرين أهم من التمرين نفسه، ويغدو بناء الصورة أهم من بناء الجسد.

ولم تنجُ الطقوس الدينية من هذا المنطق. فمع هيمنة الكاميرا، أصبح بعض الناس يؤدون العبادة أمام الجمهور أكثر مما يؤدونها أمام ضمائرهم.

 تُوثَّق الصدقة قبل أن تصل إلى الفقير، ويُصوَّر الدعاء قبل أن يُرفع إلى السماء، وكأن قبول الناس صار أحيانًا يسبق طلب القبول من الله.

هذه الظاهرة لا تخص مجتمعا معينا كما قد يظن البعض، بل هي ثقافة عامة ابتلعت الجميع؛ الرجل والمرأة، السياسي والفنان، الأستاذ والطالب، وحتى المفكر. لقد أصبح كل فرد مطالبًا بإدارة صورته أكثر من تطوير ذاته.

المشكلة ليست في الاهتمام بالمظهر، فهو جزء من الذوق الإنساني، بل في اللحظة التي يتحول فيها إلى بديل عن الجوهر. فحين يصبح التغليف أهم من المحتوى، والانتشار أهم من الحقيقة، والإعجاب أهم من القيمة، يكون المجتمع قد استبدل ميزان الحكمة بميزان الخوارزمية.

وعندها لا يعود السؤال: من الأفضل؟ بل: من الأكثر ظهورًا؟


مشاهدات 57
الكاتب عدنان أبوزيد
أضيف 2026/07/31 - 11:30 PM
آخر تحديث 2026/08/01 - 12:38 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 27 الشهر 27 الكلي 15999732
الوقت الآن
السبت 2026/8/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير