الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أخطر فقر في عصرنا

بواسطة azzaman

أخطر فقر في عصرنا

نوري جاسم

 

في كل عصرٍ يواجه الإنسان تحدياته الخاصة، لكن أخطر ما يواجهه إنسان هذا العصر ليس الفقر، ولا المرض، ولا قلة الإمكانات، وإنما فقدان المعنى.

ولقد بلغ الإنسان من التقدم العلمي والتقني ما لم تبلغه أمة من قبل، فاختصر المسافات، واخترق الفضاء، وأصبحت المعرفة في متناول الجميع. ومع ذلك، لم تتراجع مشاعر القلق، ولم ينحسر الاكتئاب، ولم يختفِ الإحساس بالوحدة. بل إن هذه الظواهر أصبحت أكثر حضورًا في المجتمعات التي بلغت أعلى درجات الرفاهية. وإن المشكلة ليست في نقص الوسائل، وإنما في غياب الغاية. فحين يعرف الإنسان كيف يعيش، لكنه لا يعرف لماذا يعيش، تبدأ رحلة التيه مهما كثرت الإنجازات. ولقد تحول النجاح عند كثيرين إلى سباقٍ لا نهاية له، وأصبحت قيمة الإنسان تُقاس بما يملك لا بما يحمل من أخلاق، وبما يجمع من أموال لا بما يترك من أثر. وهكذا انشغل الناس ببناء مظاهر الحياة، وأهملوا بناء الإنسان الذي هو أساس كل حضارة. وإن الأمم لا تنهض بالاقتصاد وحده، ولا بالتكنولوجيا وحدها، ولا بالقوانين وحدها، وإنما تنهض أولًا بالإنسان الذي يحمل ضميرًا حيًا، وعقلًا واعيًا، وقلبًا رحيمًا، ورسالةً يعيش من أجلها. ولذلك جاءت الرسالات السماوية لتعيد ترتيب الأولويات؛ فبدأت بإصلاح الإنسان قبل العمران، وبتزكية النفس قبل زخرفة الدنيا، لأن الإنسان إذا صلح، صلح ما يصنعه، وإذا فسد، أفسد كل ما يقع بين يديه مهما بلغ من العلم والقوة.وإن أعظم خسارة قد تصيب الإنسان ليست أن يخسر مالًا أو منصبًا، وإنما أن يخسر نفسه، وأن يعيش عمرًا طويلًا دون أن يكتشف رسالته في الحياة. فالمال قد يعود، والمناصب تتبدل، أما العمر إذا مضى فلا يعود.ولعل السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل واحد منا على نفسه هو: ماذا سأترك بعد رحيلي؟ هل سأترك رصيدًا في المصارف، أم رصيدًا في قلوب الناس؟ هل سأكون رقمًا مرّ في سجل الحياة، أم أثرًا يبقى بعد انقطاع الأثر؟ وإن الإنسان لا يُخلّد بما امتلك، وإنما بما قدّم، ولا يُذكر بما جمع، وإنما بما نفع. فالكلمة الصادقة تبقى، والعمل الصالح يبقى، والخلق الكريم يبقى، أما كل ما عدا ذلك فهو إلى زوال. وإن العالم اليوم بحاجة إلى من يعيد للإنسان إنسانيته، وللعقل حكمته، وللقلب صفاءه، وللحياة معناها. فالمعنى هو الثروة التي لا تُسرق، والنور الذي لا ينطفئ، والقوة التي تمنح الإنسان القدرة على مواجهة الشدائد بثبات وأمل.وفلنبحث عن المعنى قبل أن نبحث عن المكاسب، ولنُصلح أنفسنا قبل أن ننشغل بإصلاح الآخرين، ولنجعل من حياتنا رسالةً لا مجرد رحلة عابرة؛ فالأعمار تُقاس بما صنعت من خير، لا بعدد السنين التي عشناها. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.

 

 

 


مشاهدات 147
الكاتب نوري جاسم
أضيف 2026/07/15 - 3:25 PM
آخر تحديث 2026/07/16 - 1:31 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 158 الشهر 16498 الكلي 15921625
الوقت الآن
الخميس 2026/7/16 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير