الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الرسالتان الأخطر على سطح مكتب ترامب

بواسطة azzaman

الرسالتان الأخطر على سطح مكتب ترامب

حسن عبيد عيسى

 

تسلم ترامب خلال اليومين الماضيين رسالتين ذواتي أهمية وخطورة من أقرب المسؤولين في إدارته ،أولاهما من نائبه دي جي فانس ،والثانية من رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين .وكان الرجلان قد أبلغاه مضموني رسالتيهما خلال إجتماع حاسم عقد في غرفة عمليات البيت الأبيض يوم الجمعة 24 تموز الجاري.

فماذا كان مضمون الرسالتين ،وماذا تحقق بعد أن ألم ترامب بمضونيهما؟.

لقد ركز المسؤولان الرفيعان على مسألة خطيرة ،الا وهي التناقص المُطّرِد في مخزونات الأعتدة والذخائر المهمة في مستودعات الجيش الأميركي ،الأمر الذي يتطلب قراراً جريئاً وحاسماً وسريعاً بخصوص عمليات القصف التي تُشن على إيران ضمن آخر جولة من جولات الحرب بين الطرفين والتي مضى عليها يومئذ إسبوعان.

قبل توقف اطلاق النار بين الولايات المتحدة وبين إيران وقبول الأخيرة جلوس ممثيلها قبالة ممثلي خصمها لكتابة مذكرة التفاهم وتلك كانت المحاولة الثانية لترامب للتفاوض بعد أن رفض الإيرانيون عرضه الأول مالم يكف عن التهديد ويرفع الحصار ..منذ ذلك الحين ،وذوو النظر الثاقب من محللين إستراتيجيين ومفكرين ومنظرين عسكريين راحوا ينظرون الى ماجريات الأمور من وجهة نظر عاقلة تعتمد الحسابات الدقيقة وتأمل حقيقة قدرة الولايات المتحدة على مواصلة القتال..وكم تستطيع الإستمرار في المواصلة؟

ويندهش البعض ..وهل لقدرة أميركا التي يتباهى رئيسها يومياً بها وبعظمتها حدود ؟..نعم فالمثل الشعبي يقول (خذ من التل يختل)..خصوصاً إذا كانت صرفيات الذخائر والأعتدة (الصواريخ والقنابل المختلفة المستعملة في هذه الحرب) أعلى من معدلات الإنتاج..

فالكل يعلم أن الإنسجام المطلوب داخل البنتاﮔﻮن وخاصة بين هيئات الأركان للأذرع الثلاث الرئيسة للقوات المسلحة ووزير الحرب بيت هيغسيث ،مفقود ،وأن جنرالات تلك الهيئات لم يخفوا تذمرهم من توجهات الوزير عديم الخبرة ،ومن خلفه قائده الأعلى (ترامب).. لذا شهد البنتاﮔﻮن حملة إقصاء لكبار الجنرالات غير مسبوقة ،حتى بدا وكأن بعضها أشبه بالطرد. وكان موضوع الحرب مع ايران أحد عناصر الخلاف بدليل إقالة وزير االبحرية جون فيلان ،في خضم الحركات الحربية البحرية مع ايران وما تضمنت من حصار بحري.

فالجنرلات ينظرون الى الحرب من وجهة نظر الأمناء على سمعة جيشهم وقدراته ومُقَدّراته وأن هناك أعداء أكثر خطورة وأكبر تهديداً من إيران يجب إبقاء الجاهزية قائمة تجاههم، دون أن تُبدد الموارد القتالية في حرب مع إيران التي لا تشكل خطراً على أميركا..لذا فهم يرسمون الحدود التي لا ينبغي للقيادة السياسية ومن ضمنها الرئيس ووزير حربه تجاوزها كونها خطوط حمراء ..بينما نجد هذين (الرئيس ووزير حربه)لا يرون أمامهما هدفاً غير تركيع إيران مهما كان الثمن ،وهنا تبرز مشكلة الإختلاف في التفكير والأهداف المتوخاة والأولويات ، وبالتالي الإداء.

هذا الإختلاف في وجهات النظر ،والتباين في الأهداف والمواقف جعل من البنتاﮔﻮن بيئة لا تطاق ،فهي طاردة للجنرالات الذي تركن القوة الأميركية الى خبراتهم ،ولا عجب فالحوار بين وزير الحرب والجنرالات ارتفعت حدته وصار صراخاً يُسمع في أروقة الحصن الخماسي الذي يمثل رمز القوة الأميركية..عموما فإن الصرفيات الهائلة للصواريخ والقنابل كانت أحد أهم عناصر الإختلاف ..فهؤلاء يعرفون حجم المخزونات وحجم الصرفيات ،دون أن يروا أفقاً يتوقف عنده القتال ليطمئنوا على بقاء خزين الاعتدة والذخائر عند مستوى مقبول.

حصار بحري

وهذا على وفق تقديرنا أحد أهم الأسباب التي دعت ترامب الى القبول بالتفاوض وقتذاك.. وحتى يحفظ ماء وجهه ويخفي الأسباب الحقيقية وراء تغيّر توجهاته ،فإنه برر جنوحه للسَلْم بأن الطرف الإيراني مرتبك ويعاني الإنقسام والتشرذم والخلافات بين قادته ،وهو بإنتظار أن يرسلوا ممثليهم الى اسلام آباد ليصلوا الى صيغة لوقف الحرب. الا أن الإيرانيين وقتها خيبوا أمله برفضهم إرسال وفد مفاوض الى عاصمة البلد الوسيط (باكستان) مالم يرفع الحصار البحري عن موانئهم، ويكف عن التهديد .لا بل زاد الطين بلة ،وفاقم حرج ترامب أن الإيرانيين استولوا على سفينتين إحداهما مرتبطة بالكيان الغاصب .وانهم فتحوا النار على مجموعة من السفن ،فهل يعود للقصف وما فيه من خسائر فادحة ترفع نسبة تذمر جنرالاته ،أم يبقى ينتظر وفداً إيرانيا قد لا يأتي؟.

فالجنرالات يراقبون بقلق شديد  النقص الفادح في مخزونات الذخائر المهمة ،إذ وقفوا وقتذاك على أن منظومة ثاد درة الدفاع الصاروخي الجوي الأميركي فقدت 50 بالمئة من خزينها ، ومثل تلك النسبة لقذائف ذات دقة عالية ،بينما نفدت 30بالمئة  من صواريخ باتريوت المضادة للأهداف الجوية ،ومثل هذه النسبة لصواريخ توما هوك..

وكان ذلك سبباً كافياً  لثورة النائب الجمهوري توماس ماسي بوجه ترامب وهو يصرخ مساندا رسالتي النائب ورئيس هيئة الأركان «لقد اضعفت هذه الإدارة قدراتنا بشكل كبير وانها إستنزفت مخزون أنظمة الدفاع الصاروخي والإحتياطات النفطية» كما تضمنت صرخته .

لقد قدر مختصون ، الزمن الذي يمكن ان تعود مخزونات الأعتدة والذخائر من قنابل خاصة وصواريخ مختلفة الأنواع ،الى مستوياتها السابقة الى خمس سنوات لو أن القتال توقف وقتها (أي قبل توقيع مذكرة التفاهم وقبل أسبوعي القتال الأخير خلال تموز واللذين شهدا  إفراطاً في القصف) ،شريطة تصاعد وتيرة التصنيع وتوفر المواد الأولية بنسب كافية مع الأخذ بنظر الإعتبار الكُلَف الهائلة التي يتطلب إضافتها الى موازنة وزارة الحرب لتغطية مشترياتها من تلك الأعتدة والذخائر.

قلنا آنفاً أن من شروط تعويض الخزين ،توفر المواد الأولية..فهذه الذخائر التي تتمتع بتقنيات راقية ودقة متناهية ،تُصنع من معادن ثمينة ونادرة تفتقر اليها الولايات المتحدة ،وغيابها يعني تعثر تصنيع تلك الأعتدة والأسلحة..والمصيبة ان المورّد الأكبر لها هي العدو الأكبر (الصين)!!..

فعنصر الأنتيمون الذي تُعد الصين من أكبر منتجيه ،من العناصر الضرورية لتلك الصناعات والذي قد يصل سعر الكيلوغرام الواحد منه خمسين دولار ،وهو حجر كان أجدادنا يستخدمونه علاجاً لعيونهم ويسمونه (الأثمد)،وهناك عنصر الغاليوم اللازم لصناعة الشرائح الألكترونية وغيرها من أجزاء بالغة الحساسية ،والذي قد يصل سعر الكيلو غرام الواحد منه الى سبعمائة دولار ناهيك عن الكلفة العالية لنقله كونه معدن ينصهر بدرجة حرارة 28 درجة مئوية، فإن الصين تهيمن على  80بالمئة من الخزين العالمي منه .

 

أما العنصر الثالث فهو الجرمانيوم وهو الأندر والأكثر كلفة ،إذ يصل سعر الكيلو غرام منه الى ثلاثة آلاف وخمسمائة دولار فهو مما تصدره الصين الى الولايات المتحدة .

الصين الآن وهي تراقب وتدرس النقص الفادح في الأعتدة والذخائر فائقة الدقة ،والتي لا تتيسر معادنها الا في جبالها وصحاراها ،رأت أن تضرب ضربتها القاصمة ،فمذ حاول الرئيس الأميركي السابق بايدن منع الصين من الحصول على رقائق أشباه الموصلات لعرقلة تصنيعها الحواسيب الخارقة وغيرها ،فإن الصين حدّت من  نسبة المعادن الثمينة المصدرة الى اميركا خاصة والغرب عموماً ،حتى لا يتسرب الى المصانع الأميركية..

هذا هو سبب تذلل ترامب الى الرئيس الصيني ومحاولة تليين عريكته وإغرائه في اطلاق تصدير تلك المعادن التي لولاها ما قامت صناعة للأسلحة الفتاكة وفي مقدمتها الصواريخ البالستية والاعتراضية والقنابل الذكية إضافة الى الرادارات .

الآن وقد صارت الخطورة التي يسببها نقص الأعتدة والذخائر المهمة ملموسة محسوسة، فهل بقي بيد ترامب غير أن يوقف القصف العبثي الذي يهدد أمن وسلامة الولايات المتحدة وجيشها أكثر مما يهدد إيران؟..

ذلك ما دعا قائد القيادة المركزية الأميركية الى الإعلان عن أنه أمر قطعاته بإيقاف القصف على إيران ..فالقصف ذاك صار يكوي الجسد الأميركي أكثر مما يكوي الجسد الإيراني.

بقي ثمة عامل مهم يؤثر على سلامة هذه المعادلة ،وهو وصول نتنياهو الى أميركا الإثنين سابع وعشرين من تموز، واجتماعه مع ترامب الثلاثاء ،فهل سيُخْرج من حقيبته صوراً أو مستندات أو أقراصاً مدمجة تحوي بعضاً من عفن ملفات أبستين ويجعل ترامب يتخبط ويتخذ قرارات تكبد بلده خسائر مهولة ،وتجعل مزيداً من الجنرالات يخلعون بزاتهم العسكرية ويغادرون البنتاﮔﻮن حتى لا يكونوا شركاء أو شهود على سقوط آخر رموز القوة الأميركية..

ا


مشاهدات 44
الكاتب حسن عبيد عيسى
أضيف 2026/07/29 - 3:41 PM
آخر تحديث 2026/07/30 - 1:11 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 84 الشهر 32648 الكلي 15997774
الوقت الآن
الخميس 2026/7/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير