هل نحتاج إلى حضارة الحلّاج؟
نعيم عبد مهلهل
في سيرتي الروائية أنجزتُ روايةً صدرت قبل سنوات بعنوان "صفحة الحلّاج في الفيس بوك". وكان دافعها أن العولمة، بسبب هذا الهوس واللخبطة الحضارية، والجهل في التعامل مع وسائل الاتصال، وفوضى السلوك المجتمعي، وخروج ملايين المواهب الوهمية، ومواقع الإباحة والتبشير بالتطرف والإرهاب، وتلميع صورة الجنرالات القساة ولصوص المال العام؛ كتبتُ الرواية دعوةً مني للانتباه إلى صفاء الروح الصوفية وبياضها، وشعوري بأننا نحتاجها لنعرف أن الطريق إلى الله يبدأ بعبارةٍ صادقةٍ تتشكل على هيئة قصيدة أو نصيحة أو دعاء، وليس من خلال سفرة حج تريد بها أن تزكّي ملامحك أمام الناس، مع الانتباه إلى أن البشر القادمين من كل أمم الأرض، بطوافهم حول الكعبة، تجمعهم مكة لنوايا صادقة في قلوبهم، وبين ألفٍ قد يكون واحدٌ بلا تلك النية.
ومع متغيرات هذا العالم في هاجسه الصعب، والحروب الحاضرة الآن في أشدّها في منطقة الخليج وأوكرانيا والسودان ولبنان، وما يرافقها من متغيرات بيئية وتغيّر مناخي وأزمة طاقة عالمية وحمّى تسلّح، يعتقد البعض أن الحلول مرهونة بحضور الأنبياء مع كتبهم السماوية، بدعوة جديدة للهداية والإصلاح. ويقول بعضٌ آخر إن من ينوب عنهم الآن على الأرض قد يحل المعضلة.
وبين حلمٍ وحلم، امتلكتُ الرغبة في أن يُنتَبَه أيضًا إلى نقاء الصوفي في معرفة نفسه وهدوئه وبساطته في التعامل مع العالم الذي يحيط به. فقد كان الحلّاج حين يمرّ بسوقٍ في رصافة بغداد أو كرخها، ويُكثِر الصفّارون الطرق على الأواني متعمدين، يبتسم ويهمس لمن يحاولون الاقتراب منهم: "هؤلاء يعزفون ولا يطرقون".
في حضارة اليوم طرقٌ كثير وبصوتٍ عالٍ. طرقٌ يُراد منه صناعة حاضرٍ جديد غير ما تعوّدنا عليه. يحاول أن ينتصر على روايات محفوظ وأغاني فيروز وحنجرة أم كلثوم وأفلام أنتوني كوين وإيرين باباس. يحاول أن ينتصر على سحر الموناليزا وحمامة بيكاسو ومقطوعات موتسارت. ومن يشجعه قسمٌ من طبقة التاجر الجشع، والروائي الرديء، والشاعر المتكسّب، والمغني الفاشل، والسياسي الفاسد، والقناة التي يموّلها السحت، ومظاهر كثيرة غيرها. غير أن كل هذه الرداءات يقف ضدها الكثير من صنّاع الجمال وأصحاب المواقف الوطنية والدينية والأدبية والفنية والاجتماعية الرائعة. ومعهم أشعر بالقلق من غول العولمة التي قد لا نحسن استخدام مخرجات تفعيلها، ونحوّلها نحن إلى غولٍ أنتج لنا تشكيلاتٍ هجينة نشاهدها اليوم كحمّى لمرضٍ خطير في كل مواقع التواصل الاجتماعي. ومن صورها المؤلمة أن معلمًا أفنى عمره في الوظيفة أربعين عامًا وتقاعد بـ 800 دولار، يستمع في التلفاز إلى بلوغر صائعة عمرها 16 عامًا تتحدث عن وزير أو ثري من أثرياء سوق العملة أو تهريب النفط أو تجارة المخدرات أهداها سيارة تاهو بـ 250 ألف دولار.
هذا مختصر حلمٍ أتمناه لعالمٍ بلا هؤلاء، والإبقاء على جمالية هدوء أرواح أولئك الذين كنا وما زلنا نسميهم كهنة التأمل؛ يصغون إلى الله ولا يصغون إلى الجنيه الإسترليني، يتحدثون مع الله ولا يتحدثون مع الحزام الناسف، وينحبون على الحسين من منابر روح محبّ الحسين، وليس من روح من يحب الفلل والفنادق خارج الحدود.
هذا حديثٌ ربما في دائرة الوهم، ولكن مع هذا الوهم يجلس الحلّاج والأمنية...