المثقف الأعور
العلاء صلاح عادل
في دهاليز النقاش العام، حيث يُنتظر من المثقف أن يكون راداراً يستشرف الحقيقة ومرآة تعكس الواقع دون رتوش، يبرز مشهد يدعو للتأمل والأسى في آن واحد. إنه مشهد "المثقف الأعور"؛ ذلك الذي يمتلك ترف الكلام لكنه يفتقد شجاعة الرؤية الكاملة. يرى الخطأ بوضوح، ويدرك مواطن الخلل بدقة، لكنه حين يتحدث، يختار بعناية ما يخدم أجندته، ويغض الطرف عما يمس ثوابته الضيقة، فيقدم الحقيقة مجتزأة، وكأنها قابلة لإعادة التشكيل وفق ما يرضي انتماءاته.
المثقف العربي، والعراقي على وجه الخصوص، ليس كائناً معزولاً عن سياقاته، بل هو نتاج بيئة مركبة من العقيدة والقومية والسياسة والمذهب. غير أن الإشكالية تبدأ حين تتحول هذه المحددات من عناصر إثراء للوعي إلى قيود غير مرئية تكبّله. فينشأ ما يمكن تسميته بـ"مربع الانحياز"، حيث يخضع التفكير لنظام تصفية دقيق يحدد ما يُقال وما يُخفى. في هذا السياق، يتحول الانحياز العقائدي إلى سلطة تمنع النقد وتجرّم السؤال، ويغدو الانحياز القومي أداة لإعادة تفسير الوقائع بما يخدم صورة الجماعة لا حقيقتها، بينما يتسلل الانحياز السياسي والمذهبي ليجعل من المثقف مدافعاً عن مواقف لا باحثاً عن حقائق، فيغلب الولاء على الموضوعية، والانتماء على النزاهة.
المثقف الأعور ليس فاقداً للبصر، بل هو فاقد للبصيرة التي تجعله يرى القبح في صفوفه قبل أن يراه في صفوف الآخرين. وهنا تكمن المفارقة الأكثر خطورة؛ فالمشكلة لا تكمن في الجهل بقدر ما تكمن في المعرفة المنقوصة والمتعمدة. كثير من المثقفين يدركون أن ما يقدمونه ليس الحقيقة الكاملة، بل نسخة معدلة منها، جرى تهذيبها لتناسب جمهوراً معيناً أو لتجنب الاصطدام بثوابت راسخة. وهكذا، يتحول الصمت إلى موقف، والتبرير إلى خطاب، ويصبح الالتفاف على الحقيقة ممارسة مألوفة، بل ومقبولة ضمنياً.
هذا التواطؤ غير المعلن يخلق حالة من إعادة إنتاج الخطأ، حيث تستمر الأزمات لا بسبب غياب المعرفة، بل بسبب غياب الجرأة على إعلانها. يخشى المثقف أن يفقد موقعه، أو أن يُتهم بالخروج عن الجماعة، فيفضل البقاء داخل دائرة الأمان، حتى وإن كان الثمن التضحية بصدقه المعرفي. وبذلك، يتحول من صوت نقدي إلى صدى يعكس ما يُراد سماعه، لا ما يجب قوله.
غير أن الثقافة، في جوهرها، ليست تراكماً للمعلومات ولا مهارة في البلاغة، بل هي فعل مراجعة دائم. المثقف الحقيقي هو من يمتلك القدرة على مساءلة ذاته قبل مساءلة الآخرين، ومن يجرؤ على تفكيك قناعاته حين تتعارض مع الحقيقة. إن ما تحتاجه مجتمعاتنا اليوم ليس المزيد من الخطابات المنمقة، بل شجاعة فكرية تعيد الاعتبار للحقيقة بوصفها قيمة عليا، لا خياراً انتقائياً.
إن الخروج من هذا المأزق يبدأ بتفكيك ثقافة الاصطفاف، واستبدال الانتماءات الضيقة بالانتماء للحقيقة، وترسيخ الصدق المعرفي الذي يقوم على تسمية الأشياء بأسمائها دون مواربة. كما يتطلب مواجهة الذات بجرأة، والاعتراف بأن النقد الحقيقي يبدأ من الداخل قبل أن يتجه إلى الخارج.
بين مثقف أعور يحترف الالتفاف على الحقائق، ومثقف شجاع يقف ليقول الكلمة الصادقة مهما كان الثمن، يتحدد شكل الوعي القادم في مجتمعاتنا. فالحقيقة لا تُجزأ، والوعي لا يُبنى على التبرير. ويبقى السؤال معلقاً: هل يملك المثقف الجرأة على أن يرى بعينيه معاً، وأن يكون صوتاً للحقيقة، حتى وإن خفتت من حوله أصوات